الهندسة الحيوية: السبق في تشكيل الحياة

الهندسة الحيوية: السبق في تشكيل الحياة
⏱ 15 min

تتجاوز ميزانية البحث والتطوير العالمية في مجال التكنولوجيا الحيوية 100 مليار دولار سنويًا، مما يعكس التسارع الهائل في استكشاف إمكانيات هندسة الحياة.

الهندسة الحيوية: السبق في تشكيل الحياة

يشهد العالم اليوم حقبة جديدة من الابتكار العلمي، حيث يخطو علم الأحياء الاصطناعي (Synthetic Biology) بخطوات واسعة، واعدًا بإعادة تشكيل حياتنا كما نعرفها. لم يعد الأمر يقتصر على فهم الكائنات الحية، بل تطور إلى مرحلة "هندسة الحياة" نفسها، وإعادة تصميمها وبرمجتها لأداء وظائف جديدة. هذه القدرة المتزايدة على التلاعب بالأسس البيولوجية للكائنات الحية تفتح أبوابًا واسعة لتطبيقات ثورية، لكنها في الوقت ذاته تطرح أسئلة أخلاقية معقدة تتطلب نقاشًا مجتمعيًا مستفيضًا.

إن ما يميز علم الأحياء الاصطناعي عن الهندسة الوراثية التقليدية هو منهجيته. فبينما تركز الهندسة الوراثية على تعديل جينات موجودة، يسعى علم الأحياء الاصطناعي إلى بناء أنظمة بيولوجية جديدة من الصفر، باستخدام أجزاء قياسية ووحدات وظيفية مشابهة للمكونات الإلكترونية. الهدف هو جعل تصميم وتصنيع الكائنات الحية عملية أكثر قابلية للتنبؤ وقابلة للتكرار، مما يفتح الباب أمام تصميم "كائنات حية مصممة" (Designer Organisms) لتلبية احتياجات محددة.

مفهوم الكائنات الحية المصممة

الكائنات الحية المصممة هي كائنات تم تعديلها أو بناؤها بشكل منهجي لامتلاك خصائص أو وظائف غير موجودة في أشكالها الطبيعية. يمكن أن تشمل هذه التعديلات إضافة جينات من كائنات أخرى، أو إعادة كتابة الشفرة الوراثية بالكامل، أو حتى إنشاء جزيئات حيوية جديدة. إن الهدف هو الاستفادة من القدرات الطبيعية للخلايا لإنتاج مواد جديدة، أو علاج أمراض، أو معالجة المشكلات البيئية.

على سبيل المثال، يعمل العلماء على تصميم بكتيريا يمكنها إنتاج الوقود الحيوي من النفايات، أو خمائر تنتج أدوية معقدة بكفاءة أعلى، أو نباتات مقاومة للجفاف والآفات. كل هذه الإمكانيات تندرج تحت مظلة هندسة الحياة، وهي مجال يتطور بسرعة فائقة.

الفرق بين علم الأحياء الاصطناعي والهندسة الوراثية

قد يبدو علم الأحياء الاصطناعي قريبًا من الهندسة الوراثية، لكنه يختلف في نطاقه ومنهجيته. الهندسة الوراثية هي مجموعة أدوات وتقنيات تسمح للعلماء بتعديل الحمض النووي للكائنات الحية. بينما علم الأحياء الاصطناعي هو مجال أوسع يهدف إلى تصميم وبناء أنظمة بيولوجية جديدة، غالبًا باستخدام مبادئ التصميم الهندسي المعياري.

علم الأحياء الاصطناعي يستعير مفاهيم من الهندسة، مثل التوحيد القياسي (Standardization) والفصل (Abstraction). يعتمد على بناء "وحدات" بيولوجية قياسية يمكن تجميعها بطرق مختلفة لإنشاء وظائف معقدة. هذا النهج يجعل عملية التصميم والتصنيع أكثر منهجية وقابلية للتنبؤ، مما يقلل من التجربة والخطأ.

نشأة علم الأحياء الاصطناعي: من النظرية إلى التطبيق

لم يظهر علم الأحياء الاصطناعي فجأة، بل هو نتاج عقود من التقدم في مجالات علم الوراثة، والبيولوجيا الجزيئية، وعلوم الحاسوب. بدأت المفاهيم النظرية الأولى تتشكل في أواخر القرن العشرين، مع فهم أعمق لكيفية عمل الجينات والبروتينات.

في عام 2000، نشر باحثون ورقة علمية رائدة اقترحت فكرة "البيولوجيا القياسية" (Standardized Biology)، وهي مفهوم أساسي في علم الأحياء الاصطناعي. هدفت الورقة إلى وضع مقاييس ومكونات بيولوجية موحدة يمكن استخدامها لبناء أنظمة بيولوجية معقدة، على غرار الطريقة التي تُستخدم بها المكونات الإلكترونية القياسية في بناء الدوائر الكهربائية.

المعالم الرئيسية في تطور المجال

شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تسارعًا كبيرًا في تطوير تقنيات علم الأحياء الاصطناعي. كان عام 2003 نقطة تحول مع إنشاء "مشروع جينوم الإنسان" (Human Genome Project)، الذي وفر خرائط تفصيلية للحمض النووي البشري، مما سهل عملية تعديله وتصميمه. كما شهد هذا العقد ظهور تقنيات متقدمة مثل "تخليق الحمض النووي" (DNA Synthesis)، والتي تسمح للعلماء بكتابة جينات وبرامج جينية كاملة.

في عام 2010، أعلن فريق بحثي بقيادة كريغ فينتر عن بناء أول خلية اصطناعية كاملة، وهي إنجاز علمي هائل. تمكنوا من تصميم وكتابة جينوم كامل وإدخاله في خلية، مما أدى إلى إعادة برمجة الخلية لتصبح خلية جديدة تمامًا. هذا الإنجاز فتح الباب أمام إمكانية تصميم خلايا ذات وظائف مخصصة.

دور التمويل والمؤسسات البحثية

يلعب التمويل دورًا حاسمًا في دفع عجلة الابتكار في علم الأحياء الاصطناعي. تتلقى العديد من الجامعات والمراكز البحثية منحًا ضخمة من المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة لدعم أبحاثهم. تأسست العديد من الشركات الناشئة المتخصصة في علم الأحياء الاصطناعي، والتي تركز على تطوير تطبيقات محددة في مجالات مثل الطب، والزراعة، والطاقة، والمواد.

من أبرز المؤسسات التي تدعم هذا المجال: "مؤسسة العلوم الوطنية" (National Science Foundation) في الولايات المتحدة، و"مجلس البحوث الأوروبي" (European Research Council)، بالإضافة إلى مبادرات خاصة من شركات مثل "جوجل" و"إنتل" التي تستثمر في الابتكارات البيولوجية.

أدوات وتقنيات علم الأحياء الاصطناعي

يعتمد علم الأحياء الاصطناعي على مجموعة متنوعة من الأدوات والتقنيات المتطورة التي تسمح للعلماء بتصميم وهندسة الأنظمة البيولوجية. تتراوح هذه الأدوات من تقنيات تعديل الحمض النووي إلى أنظمة البرمجة البيولوجية المتقدمة.

تخليق الحمض النووي (DNA Synthesis): تعتبر هذه التقنية حجر الزاوية في علم الأحياء الاصطناعي. تسمح للعلماء بتصميم وكتابة أجزاء من الحمض النووي، أو حتى جينومات كاملة، بناءً على تسلسل محدد. هذا يتيح لهم بناء جينات جديدة أو تعديل الجينات الموجودة لإنتاج البروتينات أو الوظائف المطلوبة.

تقنية كريسبر-كاس9 (CRISPR-Cas9): اكتشاف هذه التقنية الثورية قد أحدث ثورة في مجال تعديل الجينات. تسمح تقنية كريسبر للعلماء بتحرير الحمض النووي بدقة غير مسبوقة، حيث يمكنهم قص وإضافة أو استبدال أجزاء معينة من الجينوم. أصبحت هذه التقنية أداة أساسية في بناء الكائنات الحية المصممة.

البرمجة البيولوجية (Biological Programming)

يشبه علم الأحياء الاصطناعي برمجة الحاسوب، حيث يتم تصميم "برامج" بيولوجية يمكن للخلايا تنفيذها. تستخدم هذه البرامج عناصر بيولوجية مثل الجينات، والبروتينات، والجزيئات الحيوية الأخرى لإنشاء دوائر منطقية بيولوجية (Biological Logic Gates) ووظائف معقدة. يمكن برمجة الخلايا لتستجيب لمحفزات معينة، أو لإنتاج مواد معينة، أو لأداء مهام تشخيصية.

على سبيل المثال، يمكن تصميم خلايا بكتيرية لإنتاج الأنسولين عند اكتشاف ارتفاع في مستوى السكر في الدم. يتم ذلك عن طريق بناء دائرة بيولوجية تتكون من جينات ومستشعرات، والتي تتفاعل مع إشارات داخل الخلية لتفعيل إنتاج الأنسولين.

البيولوجيا التركيبية المعيارية (Modular Synthetic Biology)

أحد المبادئ الأساسية في علم الأحياء الاصطناعي هو استخدام "وحدات" بيولوجية قياسية. هذه الوحدات هي أجزاء من الحمض النووي أو البروتينات التي تؤدي وظائف محددة ويمكن تجميعها معًا بطرق مختلفة لإنشاء أنظمة بيولوجية أكبر وأكثر تعقيدًا. يشبه هذا استخدام "اللبنات" (LEGO bricks) لبناء هياكل معقدة.

تسمح هذه المنهجية المعيارية بتصميم وتصنيع الأنظمة البيولوجية بشكل أسرع وأكثر كفاءة. يمكن للعلماء إعادة استخدام الوحدات القياسية في تصميمات مختلفة، مما يقلل من الحاجة إلى تصميم كل شيء من الصفر. هذا يسرع من وتيرة الابتكار ويجعل علم الأحياء الاصطناعي أكثر قابلية للتوسع.

أدوات وتقنيات رئيسية في علم الأحياء الاصطناعي
الأداة/التقنية الوصف التطبيق الرئيسي
تخليق الحمض النووي (DNA Synthesis) كتابة وإنشاء سلاسل DNA جديدة. بناء جينات، جينومات، وتصميم كائنات حية.
كريسبر-كاس9 (CRISPR-Cas9) تحرير دقيق للحمض النووي. تعديل الجينات، تصحيح الطفرات، هندسة الكائنات.
البرمجة البيولوجية (Biological Programming) تصميم دوائر منطقية ووظائف بيولوجية. خلايا حساسة، مصانع بيولوجية، أنظمة تشخيصية.
البيولوجيا التركيبية المعيارية (Modular BioBricks) استخدام وحدات بيولوجية قياسية. تسريع تصميم وتصنيع الأنظمة البيولوجية.

تطبيقات واعدة: ثورة في الطب والزراعة

إن الإمكانيات التي يوفرها علم الأحياء الاصطناعي هائلة، وتتجاوز حدود الخيال العلمي. تشمل التطبيقات المحتملة مجالات حيوية مثل الطب، والزراعة، والطاقة، والبيئة.

في مجال الطب: يُنظر إلى علم الأحياء الاصطناعي على أنه واعد للغاية في تطوير علاجات جديدة للأمراض المستعصية. يمكن تصميم خلايا مناعية لتتعرف على الخلايا السرطانية وتدميرها بشكل انتقائي (العلاج المناعي بالخلايا التائية CAR-T). كما يمكن هندسة البكتيريا لإنتاج الأدوية داخل الجسم، أو للمساعدة في تشخيص الأمراض مبكرًا. الهدف هو إنشاء علاجات مخصصة وفعالة للغاية.

في مجال الزراعة: يمكن استخدام علم الأحياء الاصطناعي لتطوير محاصيل زراعية محسنة. يمكن هندسة النباتات لتكون أكثر مقاومة للجفاف، والملوحة، والآفات، مما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي في ظل التغيرات المناخية. كما يمكن تصميم نباتات لإنتاج فيتامينات أو مغذيات إضافية، أو حتى لإنتاج وقود حيوي.

الطب الدقيق والعلاجات المبتكرة

يعد الطب الدقيق (Precision Medicine) أحد المجالات التي يمكن أن يستفيد منها علم الأحياء الاصطناعي بشكل كبير. من خلال فهم الخصائص الجينية للفرد، يمكن تصميم علاجات مخصصة تستهدف الأمراض على المستوى الجزيئي. على سبيل المثال، يمكن هندسة خلايا المريض نفسه لمقاومة مرض معين، أو لتصحيح خلل جيني.

تتضمن التطبيقات المستقبلية تصميم "خلايا علاجية" (Therapeutic Cells) يمكن زرعها في الجسم لتؤدي وظائف علاجية محددة. يمكن لهذه الخلايا أن تفرز الأدوية عند الحاجة، أو أن تستشعر وجود مؤشرات المرض وتقوم بالاستجابة المناسبة. هذا يمثل تحولًا جذريًا من العلاجات العامة إلى علاجات مخصصة للغاية.

الزراعة المستدامة والأمن الغذائي

تواجه الزراعة تحديات متزايدة بسبب التغيرات المناخية، وندرة الموارد، وزيادة عدد السكان. يقدم علم الأحياء الاصطناعي حلولًا مبتكرة لمواجهة هذه التحديات.

يمكن تصميم بكتيريا التربة لزيادة خصوبة الأرض وتحسين امتصاص النبات للمغذيات، مما يقلل من الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية. كما يمكن هندسة النباتات لتكون قادرة على تثبيت النيتروجين من الهواء، مما يقلل من الحاجة إلى الأسمدة النيتروجينية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تطوير نباتات تنتج محاصيل ذات قيمة غذائية أعلى، أو ذات مدة صلاحية أطول.

25%
زيادة محتملة في إنتاجية المحاصيل
50%
انخفاض متوقع في استهلاك المياه للزراعة
20%
انخفاض في استخدام المبيدات الحشرية

الطاقة المتجددة والمواد الحيوية

يمكن لعلم الأحياء الاصطناعي أن يلعب دورًا محوريًا في تطوير مصادر الطاقة المتجددة وإنتاج مواد مستدامة. تعمل العديد من الشركات على هندسة الكائنات الحية الدقيقة لإنتاج الوقود الحيوي، مثل الإيثانول والديزل الحيوي، من مصادر متجددة مثل الكتلة الحيوية أو النفايات.

كما يمكن تصميم كائنات حية لإنتاج مواد جديدة ذات خصائص فريدة، مثل البلاستيك القابل للتحلل الحيوي، أو الألياف المتينة، أو الأدوية المعقدة. هذه "المصانع البيولوجية" (Biofactories) يمكن أن تقدم بدائل مستدامة للمواد والعمليات الصناعية التقليدية.

الاستثمارات المتوقعة في قطاعات علم الأحياء الاصطناعي (مليار دولار)
الطب والرعاية الصحية45
الزراعة والأغذية28
الطاقة والبيئة18
المواد الكيميائية والمواد12

التحديات الأخلاقية والقانونية

بينما يفتح علم الأحياء الاصطناعي آفاقًا واسعة للتقدم، فإنه يثير أيضًا تساؤلات أخلاقية وقانونية عميقة تتطلب دراسة متأنية. إن القدرة على "لعب دور الخالق" تحمل معها مسؤوليات كبيرة.

السلامة البيولوجية: يمثل إطلاق كائنات حية مصممة في البيئة خطرًا محتملاً. قد تتفاعل هذه الكائنات بشكل غير متوقع مع الأنظمة البيئية الموجودة، أو قد تنتشر بطرق غير متحكم فيها. لذلك، فإن وضع بروتوكولات سلامة صارمة وضمان احتواء الكائنات المصممة يعد أمرًا بالغ الأهمية.

الاستخدام المزدوج: يمكن استخدام التقنيات التي تم تطويرها في علم الأحياء الاصطناعي لأغراض غير حميدة، مثل تطوير أسلحة بيولوجية. يتطلب هذا وضع ضوابط صارمة وآليات مراقبة لمنع إساءة استخدام هذه التقنيات.

مخاوف السلامة والأمن البيولوجي

تعتبر السلامة البيولوجية (Biosafety) والأمن البيولوجي (Biosecurity) من أهم التحديات. يجب تصميم الكائنات الحية المصممة بحيث لا تشكل خطرًا على صحة الإنسان أو البيئة. يتضمن ذلك وضع "مفاتيح أمان" (Kill Switches) في الكائنات الحية، والتي يمكن تفعيلها لإيقاف نموها أو بقائها على قيد الحياة خارج بيئة معملية محددة.

على المستوى الأمني، يجب أن تكون هناك ضمانات لمنع وصول هذه التقنيات إلى أيدي جهات قد تستخدمها لأغراض ضارة. يتطلب ذلك تعاونًا دوليًا ووضع اتفاقيات صارمة.

قضايا الملكية الفكرية والوصول العادل

تثير هندسة الحياة أسئلة حول ملكية الكائنات الحية المصممة. هل يمكن تسجيل براءة اختراع لكائن حي تم تصميمه؟ من يملك الحق في استخدام هذه الكائنات وتطبيقاتها؟ هذه القضايا معقدة وتتطلب تطوير أطر قانونية جديدة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق بشأن إمكانية أن تقتصر فوائد هذه التقنيات على الدول الغنية أو الشركات الكبرى، مما يؤدي إلى تفاقم الفجوة بين الدول. يجب البحث عن آليات لضمان الوصول العادل إلى هذه الابتكارات.

"إن التكنولوجيا التي تمنحنا القدرة على إعادة كتابة لغة الحياة تتطلب منا توخي أقصى درجات الحذر والمسؤولية. لا ينبغي أن نسمح للطموح العلمي بأن يطغى على اعتبارات السلامة والأخلاق."
— الدكتورة إيلينا بتروفا، أخصائية أخلاقيات التكنولوجيا الحيوية

التحديات التنظيمية والتشريعية

تواجه الهيئات التنظيمية تحديًا في مواكبة التطورات السريعة في علم الأحياء الاصطناعي. غالبًا ما تكون القوانين واللوائح الحالية غير كافية للتعامل مع هذه التقنيات الجديدة. هناك حاجة إلى تطوير إطار تنظيمي مرن وقابل للتكيف، يمكنه مواكبة الابتكار مع ضمان السلامة.

تختلف الأطر التنظيمية من بلد إلى آخر، مما يخلق تعقيدات إضافية للتطبيقات العالمية. يتطلب الأمر تنسيقًا دوليًا لوضع معايير مشتركة.

مستقبل الهندسة الحيوية: رؤى وتوقعات

يتجه مستقبل علم الأحياء الاصطناعي نحو مزيد من التكامل مع مجالات أخرى، مثل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وعلوم المواد. هذا التكامل سيفتح الباب أمام إمكانيات لم نكن نحلم بها من قبل.

البيولوجيا الحاسوبية: سيلعب الذكاء الاصطناعي دورًا أكبر في تصميم الأنظمة البيولوجية. يمكن لخوارزميات التعلم الآلي تحليل كميات هائلة من البيانات البيولوجية، واقتراح تصميمات جديدة، والتنبؤ بسلوك الأنظمة البيولوجية المعقدة.

الأتمتة والروبوتات: سيتم استخدام الروبوتات بشكل متزايد في المختبرات لتنفيذ عمليات بناء وتصميم الكائنات الحية بشكل آلي، مما يزيد من سرعة وكفاءة الأبحاث.

الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا

يُتوقع أن يحدث تقاطع الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء الاصطناعي ثورة حقيقية. يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع اكتشاف الجينات الوظيفية، وتصميم بروتينات جديدة، وتحسين فهم التفاعلات البيولوجية المعقدة. كما يمكن استخدامه لتصميم كائنات حية ذات خصائص محددة بدقة أكبر.

على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل صور ميكروسكوبية للخلايا لتحديد مؤشرات مبكرة للأمراض، أو لتوجيه عملية تعديل الجينات.

التصنيع الحيوي على نطاق واسع

مع نضوج تقنيات علم الأحياء الاصطناعي، نتوقع رؤية "مصانع بيولوجية" (Biomanufacturing Facilities) ضخمة تنتج مجموعة واسعة من المنتجات، من الأدوية والمواد الكيميائية إلى الغذاء والوقود. ستعتمد هذه المصانع على كائنات حية مهندسة بدقة لإنتاج المنتجات بكفاءة واستدامة.

يمكن أن تصبح هذه المصانع بديلًا جذابًا للصناعات الكيميائية التقليدية، والتي غالبًا ما تكون كثيفة الاستهلاك للطاقة وتنتج ملوثات. يتوقع أن يؤدي ذلك إلى خفض التكاليف وزيادة توافر المنتجات.

البيولوجيا الاصطناعية للإنسان

تثير الأفكار حول هندسة البشر مخاوف كبيرة، ولكنها أيضًا مجال للتفكير المستقبلي. قد يشمل ذلك استخدام علم الأحياء الاصطناعي لتصحيح الأمراض الوراثية في الأجنة، أو حتى لتعزيز القدرات البشرية. هذه مجالات تقع حاليًا في نطاق الخيال العلمي، ولكنها تستدعي نقاشًا مستمرًا حول الحدود الأخلاقية.

على سبيل المثال، هل يجب أن نسمح بتعديل الجينات في الخلايا الجنسية (Germline Editing) التي تنتقل إلى الأجيال القادمة؟ هذا سؤال يثير جدلًا عميقًا.

"المستقبل ليس شيئًا ننتظره، بل شيئًا نصنعه. علم الأحياء الاصطناعي يمنحنا أدوات غير مسبوقة لتشكيل هذا المستقبل، ولكن يجب أن نقوده بحكمة ووعي."
— البروفيسور أحمد منصور، عالم فيزياء حيوية

خلاصة القول: الموازنة بين الابتكار والمسؤولية

يقف علم الأحياء الاصطناعي على مفترق طرق حاسم. إنه يمثل إحدى أكبر الفرص العلمية في عصرنا، مع القدرة على حل بعض التحديات الأكثر إلحاحًا التي تواجه البشرية. ومع ذلك، فإن هذه القوة الهائلة تأتي مع مسؤوليات ضخمة.

إن التقدم في هذا المجال يتطلب نهجًا متعدد التخصصات، يجمع بين العلماء، وخبراء الأخلاق، والسياسيين، وعامة الناس. يجب أن يكون الحوار مفتوحًا وشفافًا لضمان أن يتم توجيه هذه التكنولوجيا نحو تحقيق أقصى فائدة للبشرية، مع تقليل المخاطر المحتملة.

الموازنة بين الابتكار والمسؤولية هي المفتاح. يجب أن نستمر في استكشاف الإمكانيات الواسعة لعلم الأحياء الاصطناعي، مع الحفاظ على التزام راسخ بالسلامة، والأخلاق، والرفاهية العامة. إن هندسة الحياة هي رحلة تتطلب بصيرة، وبصيرة، وإحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه المستقبل.

للمزيد من المعلومات حول علم الأحياء الاصطناعي، يمكنك زيارة:

ما هو علم الأحياء الاصطناعي؟
علم الأحياء الاصطناعي هو مجال متعدد التخصصات يدمج بين البيولوجيا والهندسة، ويهدف إلى تصميم وبناء أنظمة بيولوجية جديدة، أو إعادة تصميم الأنظمة البيولوجية الموجودة، لأداء وظائف محددة.
ما الفرق بين علم الأحياء الاصطناعي والهندسة الوراثية؟
الهندسة الوراثية تركز على تعديل الجينات الموجودة في الكائنات الحية. بينما علم الأحياء الاصطناعي يسعى إلى بناء أنظمة بيولوجية كاملة من الصفر أو تصميم وظائف جديدة باستخدام مبادئ تصميم هندسية معيارية.
ما هي بعض التطبيقات الرئيسية لعلم الأحياء الاصطناعي؟
تشمل التطبيقات الرئيسية الطب (علاجات مبتكرة، طب دقيق)، الزراعة (محاصيل محسنة، أمن غذائي)، الطاقة (وقود حيوي)، والبيئة (مواد مستدامة، تنقية).
ما هي المخاوف الأخلاقية الرئيسية المتعلقة بعلم الأحياء الاصطناعي؟
تشمل المخاوف السلامة البيولوجية، والأمن البيولوجي، وإمكانية الاستخدام المزدوج، وقضايا الملكية الفكرية، والوصول العادل إلى التقنيات.
هل يمكن تصميم كائنات حية جديدة كليًا؟
نعم، لقد تمكن العلماء من بناء خلايا اصطناعية بالكامل عن طريق كتابة جينومات جديدة وإدخالها في خلايا. ومع ذلك، فإن بناء كائنات معقدة من الصفر لا يزال في مراحله الأولى.