ما وراء الأرض: سباق الفضاء الجديد ومستقبل البشرية المتعدد الكواكب

ما وراء الأرض: سباق الفضاء الجديد ومستقبل البشرية المتعدد الكواكب
⏱ 15 min

في عام 2023، تجاوز الإنفاق العالمي على صناعة الفضاء حاجز الـ 500 مليار دولار أمريكي، وهو رقم يمثل زيادة مطردة ويعكس الزخم المتزايد لسباق الفضاء الجديد الذي يهدف إلى تجاوز حدود الأرض.

ما وراء الأرض: سباق الفضاء الجديد ومستقبل البشرية المتعدد الكواكب

لم يعد الفضاء مجرد ساحة للتنافس الأيديولوجي بين القوى العظمى، بل أصبح حجر الزاوية لمستقبل البشرية. يتجاوز سباق الفضاء الجديد مجرد الهبوط على أجرام سماوية أخرى؛ إنه يمثل طموحًا وجوديًا لبناء حضارة قادرة على البقاء والتوسع خارج كوكب الأرض. هذا التحول الجذري مدفوع بمزيج من التطورات التكنولوجية المتسارعة، والرؤى الاستثمارية الجريئة، والحاجة الملحة لتأمين مستقبل طويل الأمد للجنس البشري في مواجهة التحديات المتزايدة على كوكبنا.

إن فكرة جعل البشرية كائنًا متعدد الكواكب لم تعد مجرد خيال علمي، بل أصبحت هدفًا استراتيجيًا تسعى إليه حكومات وشركات على حد سواء. يتطلب تحقيق هذا الهدف تجاوز عقبات تقنية وهندسية هائلة، فضلاً عن معالجة قضايا اقتصادية، وسياسية، وأخلاقية معقدة. إن رحلة استكشاف واستيطان الفضاء هي أضخم مشروع عرفته البشرية، وهي بلا شك ستعيد تشكيل فهمنا لمكانتنا في الكون.

الانتقال من التنافس إلى التعاون والشراكة

على عكس سباق الفضاء في القرن العشرين الذي اتسم بالمنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، يشهد العصر الحالي تحولًا نحو نماذج أكثر تعاونًا، وإن كانت لا تخلو من التنافس. تلعب الشركات الخاصة دورًا محوريًا في هذا المشهد الجديد، حيث تقود الابتكار وتقلل التكاليف، وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار الخاص في قطاع الفضاء. هذا المزيج بين الجهود الحكومية والخاصة هو ما يدفع عجلة التقدم بسرعة غير مسبوقة.

الدوافع وراء العودة إلى الفضاء

تتعدد الدوافع وراء هذا الاهتمام المتجدد بالفضاء. فبالإضافة إلى الرغبة في الاكتشاف العلمي وإثراء المعرفة البشرية، هناك دوافع استراتيجية واقتصادية. تشمل هذه الدوافع البحث عن موارد جديدة، وتطوير تقنيات مبتكرة يمكن تطبيقها على الأرض، وتأمين مستقبل البشرية عبر توسيع نطاق وجودها، وتجنب المخاطر المحتملة التي تهدد استمرار الحياة على كوكب واحد، مثل الكوارث الطبيعية، أو التغير المناخي، أو حتى الاصطدامات الكويكبية.

جذور السباق الجديد: من الحرب الباردة إلى عصر الشركات الخاصة

كانت الحرب الباردة الشرارة التي أطلقت سباق الفضاء الأول، مدفوعًا بالرغبة في التفوق التكنولوجي والأيديولوجي. كان "سبوتنيك" والرحلة إلى القمر مجرد قمة جبل جليدي لصراع أعمق. لكن اليوم، تغيرت قواعد اللعبة بشكل جذري. لقد ولّت أيام البرامج الفضائية الحكومية الضخمة والمغلقة في الغالب.

الآن، نشهد ثورة تقنية مدفوعة بالشركات الخاصة التي استطاعت، بفضل الابتكار وريادة الأعمال، أن تخفض تكاليف الوصول إلى الفضاء بشكل كبير. لم تعد هذه الشركات مجرد مقاولين من الباطن للوكالات الحكومية، بل أصبحت محركات رئيسية للابتكار، تطور صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام، وتخطط لمهام استيطانية جريئة. هذا المزيج بين الدعم الحكومي والمبادرات الخاصة هو ما يميز سباق الفضاء الجديد.

دور الشركات الخاصة الرائدة

شركات مثل "سبيس إكس" (SpaceX) و"بلو أوريجين" (Blue Origin) و"فيرجن غالاكتيك" (Virgin Galactic) ليست مجرد أسماء تجارية، بل هي قوى دافعة وراء هذا التحول. لقد أحدثت "سبيس إكس" ثورة في صناعة إطلاق الأقمار الصناعية بصواريخها القابلة لإعادة الاستخدام، مما خفض التكاليف بشكل كبير. أما "بلو أوريجين" فتسعى إلى تحقيق رؤية طموحة للمليون شخص يعيشون ويعملون في الفضاء. وتوفر "فيرجن غالاكتيك" تجارب سياحة فضائية للجمهور.

تأثير الابتكارات التكنولوجية

إن التطورات في مجالات مثل المواد المركبة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، لعبت دورًا حاسمًا في تسريع وتيرة سباق الفضاء. أصبحت المركبات الفضائية أكثر كفاءة، وأنظمة الدعم الحيوي أكثر موثوقية، والقدرة على تحمل الظروف القاسية للفضاء أفضل. هذه الابتكارات تفتح الباب أمام مهام كانت تعتبر مستحيلة في الماضي.

الوجهات الرئيسية: القمر والمريخ كأهداف أولى

بينما تتسع آفاق الطموحات البشرية لتشمل استكشاف أبعد نجوم المجرة، فإن الأهداف المباشرة لسباق الفضاء الجديد تتركز حاليًا على جرمين سماويين قريبين: القمر والمريخ. هذان الموقعان يمثلان نقاط انطلاق مثالية لبناء قاعدة بشرية دائمة خارج الأرض، ولكل منهما تحدياته وفرصه الفريدة.

القمر، أقرب جار لنا، يمثل هدفًا جذابًا لعدة أسباب. فهو يوفر فرصة لاختبار التقنيات والعمليات اللازمة للاستيطان طويل الأمد في بيئة معادية. كما أنه يمتلك موارد قيمة، مثل الهيليوم-3، الذي يُعتقد أنه يمكن استخدامه كوقود للمفاعلات الاندماجية في المستقبل، ووجود جليد الماء في بعض فوهاته يمكن استخدامه كمصدر للمياه الصالحة للشرب وكمادة خام لإنتاج الوقود.

القمر: القاعدة الأمامية للاستكشاف

تتجه العديد من الدول والشركات نحو القمر. برنامج "أرتميس" (Artemis) التابع لناسا، والذي تشارك فيه عدة دول، يهدف إلى إعادة البشر إلى سطح القمر بحلول منتصف العقد الحالي، وإنشاء وجود مستدام هناك. يشمل هذا الوجود بناء محطة فضائية حول القمر ("Gateway") وقاعدة على سطحه. الهدف ليس فقط العلم، بل أيضًا التعلم كيف نعيش ونعمل خارج كوكب الأرض.

الجدول: مقارنة بين القمر والمريخ كوجهات للاستيطان

الميزة القمر المريخ
المسافة من الأرض حوالي 384,400 كيلومتر حوالي 225 مليون كيلومتر (في أقرب نقطة)
زمن الرحلة (تقريبي) 3 أيام 6-9 أشهر
الجاذبية السطحية 16.6% من جاذبية الأرض 38% من جاذبية الأرض
الغلاف الجوي شبه معدوم (إكسوسفير) رقيق جدًا، يتكون أساسًا من ثاني أكسيد الكربون
الموارد المحتملة الهيليوم-3، جليد الماء، معادن جليد الماء، معادن، غازات في الغلاف الجوي
التحديات الرئيسية درجات الحرارة القصوى، الإشعاع، الغبار الإشعاع، درجات الحرارة المنخفضة جدًا، الغلاف الجوي السام، العزلة الطويلة

المريخ: الهدف طويل الأمد للحضارة

يظل المريخ الهدف النهائي للعديد من الطموحات الاستيطانية. طبيعته التي تشبه الأرض، مع وجود غلاف جوي (رقيق) وجليد مائي، تجعله المرشح الأكثر واقعية لبناء حضارة بشرية مستقلة على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن التحديات الهائلة تجعل من استيطانه مهمة تتطلب عقودًا من العمل والتطور التكنولوجي.

قال إيلون ماسك، مؤسس "سبيس إكس": "هدفنا النهائي هو جعل البشرية حضارة متعددة الكواكب. أعتقد أن هذا هو أهم شيء يمكن أن نفعله كمجتمع. إذا كنا محصورين على كوكب واحد، فإننا نواجه خطر الانقراض".

الكويكبات والأقمار الخارجية: آفاق المستقبل

بالإضافة إلى القمر والمريخ، تبرز الكويكبات كمصادر محتملة للمعادن الثمينة، مما قد يدفع إلى ظهور صناعة تعدين فضائي. أما الأقمار الجليدية للكواكب الخارجية، مثل أقمار المشتري وزحل، فتعتبر مرشحة محتملة لوجود حياة ميكروبية، مما يجعلها أهدافًا مثيرة للاهتمام للاستكشاف العلمي المستقبلي.

التحديات التقنية والاقتصادية: عقبات أمام تحقيق الحلم

إن الانتقال من الحلم إلى الواقع في بناء مستوطنات فضائية يواجه عقبات هائلة، معظمها يندرج تحت فئتين رئيسيتين: التحديات التقنية والتحديات الاقتصادية. كل خطوة في هذا المسار تتطلب ابتكارات لم يسبق لها مثيل.

على الصعيد التقني، تشمل التحديات الرئيسية: تطوير أنظمة دفع أقوى وأكثر كفاءة للسفر لمسافات أطول، وضمان حماية رواد الفضاء من الإشعاع الكوني والجسيمات الشمسية، وتطوير أنظمة دعم حياة مغلقة ومستدامة يمكنها إعادة تدوير الموارد بكفاءة عالية، بالإضافة إلى الحاجة إلى بناء هياكل قادرة على تحمل الظروف القاسية للفضاء.

التحديات التقنية الرئيسية

  • الحماية من الإشعاع: يتعرض رواد الفضاء للإشعاع المؤين على المدى الطويل، مما يزيد من خطر الإصابة بالسرطان. يتطلب بناء مستوطنات فضائية أنظمة حماية فعالة، سواء باستخدام دروع مادية سميكة أو تقنيات مبتكرة أخرى.
  • أنظمة دعم الحياة: توفير الهواء والماء والغذاء بشكل مستمر في بيئة معزولة يتطلب أنظمة مغلقة تعتمد على إعادة التدوير الكامل للموارد، وهو أمر معقد للغاية.
  • الجاذبية الاصطناعية: التأثيرات طويلة المدى لانعدام الجاذبية على صحة الإنسان، مثل فقدان كثافة العظام وضمور العضلات، تستدعي إيجاد حلول مثل إنشاء جاذبية اصطناعية في المركبات والمستوطنات.
  • الهبوط والإقلاع: الهبوط الآمن على أجرام سماوية ذات جاذبية مختلفة، والإقلاع منها للعودة أو للانتقال إلى وجهة أخرى، يتطلب تقنيات متقدمة ودقيقة.

العقبات الاقتصادية والاستثمارية

تتطلب مهمة استيطان الفضاء استثمارات ضخمة. تكلفة إطلاق كل كيلوغرام إلى المدار لا تزال مرتفعة، على الرغم من الانخفاض الكبير الذي أحدثته الشركات الخاصة. بناء بنية تحتية فضائية، من مركبات فضائية إلى محطات وقواعد، يتطلب مليارات الدولارات. التحدي هو جعل هذه الاستثمارات مجدية اقتصاديًا.

الرسم البياني: انخفاض تكلفة إطلاق الكيلوغرام إلى المدار (تقديري)

تطور تكلفة إطلاق الكيلوغرام إلى المدار (بالدولار الأمريكي)
سبعينيات القرن الماضي$18,000
التسعينيات$8,000
عقد 2010$2,000
اليوم (مع SpaceX)$500 - $1,000

نماذج التمويل المستقبلية

تتجه الأنظار نحو نماذج تمويل مبتكرة، بما في ذلك الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والاستثمار في الشركات الناشئة الفضائية، وحتى تطوير اقتصاد فضائي جديد يعتمد على تعدين الكويكبات، والسياحة الفضائية، وتصنيع المنتجات في الفضاء. يبقى السؤال: متى ستصبح هذه النماذج مستدامة وقادرة على تحمل التكاليف الهائلة؟

500+
مليار دولار
الإنفاق العالمي السنوي على صناعة الفضاء
10+
شركات ناشئة
في مجال استكشاف الفضاء والتعدين الفضائي
100+
مركبة فضائية
مخطط لإطلاقها إلى القمر والمريخ خلال العقد القادم

اللاعبون الرئيسيون: الدول والشركات في طليعة السباق

لم يعد سباق الفضاء حكرًا على قوى عظمى قليلة. لقد توسع المشهد ليشمل عددًا متزايدًا من الدول والشركات التي تتنافس وتتعاون في آن واحد. هذا التنوع يضفي ديناميكية جديدة على استكشاف الفضاء، ويفتح الباب أمام أفكار وحلول مبتكرة.

على رأس القائمة، تقف الولايات المتحدة، من خلال وكالة ناسا (NASA) والشركات الخاصة مثل "سبيس إكس" و"بلو أوريجين". ثم تأتي الصين، التي تسعى بخطى حثيثة لتصبح قوة فضائية رائدة، مع برامج طموحة لاستكشاف القمر والمريخ وإنشاء محطة فضائية خاصة بها. ولا يمكن إغفال دور روسيا، ذات التاريخ العريق في مجال الفضاء، بالإضافة إلى أوروبا (عبر وكالة الفضاء الأوروبية ESA)، والهند، واليابان، ودول أخرى ناشئة في هذا المجال.

القوى الحكومية الكبرى

  • الولايات المتحدة: تستمر ناسا في ريادة الأبحاث العلمية والاستكشاف العميق، بينما تلعب الشركات الخاصة دورًا حاسمًا في خفض تكاليف الوصول إلى الفضاء وتطوير تقنيات جديدة.
  • الصين: تنفذ الصين برنامجًا فضائيًا طموحًا يشمل بناء محطة الفضاء "تيانغونغ" (Tiangong)، وإرسال بعثات إلى القمر والمريخ، ولديها خطط طويلة الأجل لاستيطان المريخ.
  • روسيا: على الرغم من التحديات الاقتصادية، لا تزال روسيا لاعبًا رئيسيًا، خاصة في مجال الرحلات المأهولة إلى محطة الفضاء الدولية (ISS) وتطوير تقنيات الدفع.
  • الاتحاد الأوروبي: تساهم وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في العديد من البعثات الدولية، وتركز على تطوير الأقمار الصناعية، وتكنولوجيا الفضاء، ولديها طموحات لاستكشاف القمر والمريخ.

دور الشركات الخاصة المتنامي

كما ذكرنا سابقًا، أحدثت الشركات الخاصة ثورة في هذا القطاع. "سبيس إكس" هي الرائدة بلا منازع في مجال الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وتخطط لإنشاء مستعمرة بشرية على المريخ. "بلو أوريجين" تركز على بناء البنية التحتية الفضائية، وتطوير مركبات قادرة على نقل الأفراد والبضائع. شركات أخرى تعمل على مجالات متخصصة مثل الأقمار الصناعية، والتعدين الفضائي، والسياحة الفضائية.

قال ديفيد ستيرن، عالم فيزياء فلكية، "لم نشهد قط هذا القدر من الابتكار والتنوع في صناعة الفضاء. هذا العصر الجديد يقوده رواد أعمال جريئون، وهذا يغير كل شيء."

التعاون والتنافس: وجهان لعملة واحدة

من المثير للاهتمام ملاحظة كيف يتشابك التعاون والتنافس في هذا السباق. فبينما تتنافس الدول والشركات على التفوق التكنولوجي والريادة، فإنها غالبًا ما تجد نفسها مضطرة للتعاون في المشاريع الكبرى التي تتطلب موارد وخبرات جماعية، مثل محطة الفضاء الدولية أو بعثات استكشاف الكواكب. هذا التوازن الدقيق هو ما يدفع الصناعة إلى الأمام.

روابط ذات صلة:

الأبعاد الأخلاقية والقانونية: من يملك الفضاء؟

مع تزايد احتمالية استيطان الفضاء، تبرز أسئلة أخلاقية وقانونية معقدة لم يتم الإجابة عليها بعد. من يملك الموارد الموجودة على القمر أو المريخ؟ ما هي القوانين التي ستنظم الحياة في المستوطنات الفضائية؟ وكيف سنتعامل مع أي شكل من أشكال الحياة قد نجده خارج الأرض؟

تعتبر معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي وقعت عليها معظم الدول، هي الإطار القانوني الأساسي الذي يحكم الأنشطة في الفضاء. تنص هذه المعاهدة على أن الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، ليس خاضعًا للاستيلاء الوطني بأي وسيلة، ويجب أن يستخدم لصالح ووفقًا لمصالح جميع البلدان. ومع ذلك، فإن هذه المعاهدة قديمة نسبيًا ولم تأخذ في الاعتبار التطورات الأخيرة وظهور الشركات الخاصة.

ملكية الموارد الفضائية

تطرح مسألة استخراج الموارد في الفضاء، مثل المعادن الموجودة على الكويكبات أو جليد الماء على القمر، تحديًا كبيرًا. هل يعتبر استخراج هذه الموارد "استيلاءً وطنيًا"؟ وهل يجب أن تكون هذه الموارد ملكًا مشتركًا للبشرية؟ الدول وشركات الفضاء تبحث عن إجابات لهذه الأسئلة، وهناك اتجاهات مختلفة حول العالم حول كيفية التعامل معها. اتفاقية "أرتيميس" (Artemis Accords) التي تقودها الولايات المتحدة، تحاول وضع إطار لمثل هذه الأنشطة، لكنها لا تحظى بقبول عالمي كامل.

اقتباس خبير:

"إننا بحاجة ماسة إلى تحديث القوانين الدولية المتعلقة بالفضاء لتعكس الواقع الجديد. تجاهل هذه المسائل قد يؤدي إلى نزاعات خطيرة في المستقبل."
— الدكتورة فاطمة الزهراء، خبيرة في القانون الدولي الفضائي

حكم المستوطنات الفضائية

عندما تنشأ مستوطنات بشرية دائمة على القمر أو المريخ، فمن سيحكمها؟ هل ستخضع لقوانين الأرض، أم ستحتاج إلى تطوير أنظمة حكم ذاتية؟ كيف سيتم التعامل مع القضايا الجنائية، وحقوق الملكية، والنزاعات بين السكان؟ هذه الأسئلة تتطلب نقاشًا عالميًا معمقًا وصياغة اتفاقيات جديدة.

الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بالحياة خارج الأرض

إذا اكتشفنا شكلاً من أشكال الحياة، حتى لو كانت ميكروبية، على كوكب آخر، فإن ذلك سيثير مجموعة معقدة من الأسئلة الأخلاقية. كيف سنتعامل مع هذه الحياة؟ هل لدينا الحق في استيطان كوكب قد تكون فيه حياة؟ وما هي مسؤولياتنا تجاهها؟ هذه الأسئلة لم يتم طرحها بشكل جاد إلا مؤخرًا، ومع زيادة عمليات الاستكشاف، قد نواجهها بشكل مباشر في المستقبل.

رؤية مستقبلية: تشكيل مجتمعات خارج الأرض

إن الطموح النهائي لسباق الفضاء الجديد ليس مجرد زيارة أجرام سماوية أخرى، بل هو تشكيل مجتمعات بشرية جديدة خارج كوكب الأرض. هذه المجتمعات ستكون مختلفة عن أي شيء عرفناه على الأرض، وستتطلب أساليب حياة جديدة، وأنظمة اجتماعية واقتصادية مبتكرة.

تتخيل "سبيس إكس" بناء مدينة مستقلة على المريخ، قادرة على دعم مئات الآلاف من الأشخاص. هذا يتطلب تطوير بنية تحتية كاملة، من المأوى والطاقة إلى الغذاء والنقل. ستكون هذه المجتمعات معزولة في البداية، مما سيتطلب درجة عالية من الاعتماد على الذات والتعاون بين الأفراد.

نماذج الحياة المستقبلية

قد تعتمد المستوطنات المستقبلية على تقنيات متقدمة مثل الزراعة المائية، والمواد المركبة المصنعة محليًا، والطاقة الشمسية أو النووية. سيتم تصميم المنازل والمدن لتقليل التعرض للعوامل البيئية القاسية، مثل الإشعاع ودرجات الحرارة المتطرفة. كما أن التطورات في الطب وعلم النفس ستكون حاسمة لضمان رفاهية السكان في بيئات معزولة وضيقة.

تحديات التكيف الاجتماعي والثقافي

إن بناء مجتمع جديد يتجاوز مجرد التحديات التقنية. سيحتاج رواد الفضاء والمستوطنون الأوائل إلى التكيف مع حياة جديدة، بعيدًا عن الأرض وعائلاتهم. قد تنشأ ثقافات جديدة، ولغات مختلفة، وقيم فريدة في هذه المستوطنات. كيف سيتم الحفاظ على الروابط مع الأرض؟ وكيف ستتطور الهوية البشرية عندما نصبح كائنات متعددة الكواكب؟

اقتباس خبير:

"إن توسيع وجودنا إلى ما وراء الأرض ليس مجرد قضية تقنية أو اقتصادية، بل هو فرصة لإعادة تعريف ما يعنيه أن تكون إنسانًا، وإعادة التفكير في مسؤولياتنا تجاه أنفسنا وتجاه الكون."
— البروفيسور أليكسي بتروف، أخصائي في علم الاجتماع الفضائي

مستقبل البشرية: البقاء والتوسع

في جوهره، يمثل سباق الفضاء الجديد وخطط الاستيطان البشري خارج الأرض طموحًا للبقاء والتوسع. في عالم يواجه تحديات متزايدة، من تغير المناخ إلى الأوبئة المحتملة، يصبح وجودنا على كوكب واحد نقطة ضعف. بناء حضارة متعددة الكواكب هو تأمين لمستقبل طويل الأمد للجنس البشري، وضمان استمراريته حتى لو حدث ما لا يمكن تصوره على الأرض.

إن رحلة البشرية إلى ما وراء الأرض بدأت للتو، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر، ولكنها مليئة بالأمل والإمكانيات. إنها قصة سيكتبها الجيل القادم، وستغير وجه التاريخ البشري إلى الأبد.

ما هو سباق الفضاء الجديد؟
سباق الفضاء الجديد هو الفترة الحالية من الاهتمام المتزايد باستكشاف واستيطان الفضاء، والذي يتميز بمشاركة قوية من الشركات الخاصة، بالإضافة إلى الدول، ويهدف إلى بناء وجود بشري مستدام خارج كوكب الأرض، بدءًا من القمر والمريخ.
لماذا تعتبر الشركات الخاصة مهمة في سباق الفضاء الجديد؟
الشركات الخاصة، مثل "سبيس إكس"، أدخلت ابتكارات أدت إلى خفض كبير في تكاليف الوصول إلى الفضاء (مثل الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام)، وهي تقود تطوير تقنيات جديدة وتستثمر بكثافة في مشاريع استيطانية جريئة، مما يسرع وتيرة التقدم بشكل كبير.
ما هي التحديات الرئيسية لاستيطان المريخ؟
تشمل التحديات الرئيسية لاستيطان المريخ: الحماية من الإشعاع الكوني، تطوير أنظمة دعم حياة مغلقة ومستدامة، تحمل درجات الحرارة المنخفضة جدًا، وجود غلاف جوي رقيق وسام، بالإضافة إلى الحاجة إلى توفير الطاقة والموارد اللازمة للحياة على المدى الطويل، فضلاً عن البعد النفسي والاجتماعي للعزلة.
هل هناك اتفاقيات دولية تنظم أنشطة الفضاء؟
نعم، معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 هي الإطار القانوني الأساسي، التي تنص على أن الفضاء لا يخضع للاستيلاء الوطني. ومع ذلك، فإن ظهور الشركات الخاصة والتوجهات الجديدة تدفع نحو الحاجة لتحديث هذه الاتفاقيات أو وضع اتفاقيات تكميلية، مثل اتفاقية "أرتيميس" التي تقودها الولايات المتحدة.