السعي نحو طاقة لا نهائية: وعد الاندماج النووي والتقدم المحرز

السعي نحو طاقة لا نهائية: وعد الاندماج النووي والتقدم المحرز
⏱ 25 min

تتطلب الشبكة الكهربائية العالمية حاليًا ما يزيد عن 25,000 تيراواط ساعة من الكهرباء سنويًا، وهو رقم يتزايد باستمرار مع النمو السكاني والتصنيع، مما يضع ضغطًا هائلاً على مصادر الطاقة التقليدية المتجددة وغير المتجددة.

السعي نحو طاقة لا نهائية: وعد الاندماج النووي والتقدم المحرز

لطالما شكلت الحاجة إلى مصدر طاقة نظيف، آمن، ومستدام تحديًا أساسيًا للبشرية. في خضم أزمة المناخ المتفاقمة والطلب المتزايد على الطاقة، تبرز تقنية الاندماج النووي كمنارة أمل، واعدةً بعصر جديد من الوفرة الطاقوية. إنها عملية تحاكي القوة التي تشغل الشمس والنجوم، وتمتلك القدرة على توفير طاقة بكميات هائلة دون توليد نفايات مشعة طويلة الأمد أو انبعاثات غازات دفيئة. لكن الرحلة نحو تسخير هذه القوة النجمية على الأرض لم تكن سهلة، بل هي قصة مليئة بالعقبات التقنية الجسيمة، والاستثمارات الضخمة، والتفاني العلمي الذي يمتد لعقود. في هذه المقالة، نستكشف ماهية الاندماج النووي، مميزاته الجوهرية، التحديات التي تواجهه، التقدم المحرز، والمشاريع الرائدة التي تقود هذا السباق نحو المستقبل الطاقوي.

ما هو الاندماج النووي؟

يختلف الاندماج النووي جذريًا عن الانشطار النووي المستخدم في المفاعلات النووية الحالية. فبينما يقوم الانشطار بتقسيم نوى الذرات الثقيلة (مثل اليورانيوم) لإطلاق الطاقة، يقوم الاندماج بدمج نوى الذرات الخفيفة (مثل نظائر الهيدروجين) لتشكيل نواة أثقل، مطلقًا كمية هائلة من الطاقة في هذه العملية. ببساطة، هو عملية "صناعة النجوم" على الأرض. لتحدث هذه العملية، يجب توفير ظروف قاسية للغاية: درجات حرارة تتجاوز 100 مليون درجة مئوية (أكثر سخونة من قلب الشمس)، وضغط هائل، وحالة بلازما مستقرة. هذه الظروف تجعل الإلكترونات تنفصل عن النوى، مكونةً مادة البلازما، وهي الحالة الرابعة للمادة. في هذه الحالة، تتحرك النوى بسرعة كافية للتغلب على قوى التنافر الكهربائي بينها والاندماج.

أشهر أنواع الاندماج التي يسعى العلماء لتسخيرها هو اندماج نظيري الهيدروجين: الديوتيريوم (D) والتريتيوم (T). الديوتيريوم متوفر بكثرة في مياه البحر، بينما يمكن إنتاج التريتيوم من الليثيوم. عندما يندمج الديوتيريوم والتريتيوم، ينتج عن ذلك نواة هيليوم، نيوترون، وكمية هائلة من الطاقة.

مقارنة بين الانشطار والاندماج النووي
المعيار الانشطار النووي الاندماج النووي
المبدأ الأساسي تقسيم النوى الثقيلة دمج النوى الخفيفة
المواد المستخدمة اليورانيوم، البلوتونيوم نظائر الهيدروجين (ديوتيريوم، تريتيوم)
درجة الحرارة المطلوبة مئات إلى آلاف الدرجات المئوية أكثر من 100 مليون درجة مئوية
المنتجات الثانوية نفايات مشعة طويلة الأمد هيليوم، نيوترونات (تنشط المواد المحيطة لكنها لا تزال قصيرة الأمد مقارنة بالانشطار)
وفرة الوقود محدودة وفيرة (الديوتيريوم من الماء، الليثيوم وفير)
خطر الانصهار (Meltdown) ممكن، يتطلب إجراءات أمان معقدة مستحيل تقريبًا (تتوقف العملية تلقائيًا إذا فقدت الظروف القاسية)

البلازما: الحالة الرابعة للمادة

تُعد البلازما الوسط الذي يحدث فيه الاندماج النووي. هي غاز متأين بالكامل، يتكون من أيونات موجبة الشحنة وإلكترونات حرة. في مفاعلات الاندماج، يجب احتواء هذه البلازما الساخنة جدًا بطرق مبتكرة. نظراً لأن أي مادة مادية ستذوب فورًا عند ملامسة البلازما، فإن الحل يكمن في استخدام حقول مغناطيسية قوية لإنشاء "قفص" غير مرئي يحبس البلازما دون أن تلمس جدران المفاعل. هذه التقنية، المعروفة بالاحتواء المغناطيسي، هي أساس معظم تصميمات مفاعلات الاندماج.

أنواع تفاعلات الاندماج

بينما يعد تفاعل D-T هو الأكثر استهدافًا حاليًا نظرًا لسهولة تحقيقه نسبيًا، هناك تفاعلات اندماج أخرى قيد البحث، مثل اندماج الديوتيريوم-الديوتيريوم (D-D) أو الديوتيريوم-الهيليوم-3 (D-He3). هذه التفاعلات قد تكون أكثر صعوبة في تحقيقها، ولكنها قد توفر مزايا إضافية مثل إنتاج عدد أقل من النيوترونات، مما يقلل من تنشيط المواد المحيطة ويجعل النفايات أقل إشعاعًا.

لماذا الاندماج؟ مزايا الطاقة النظيفة والوفيرة

الدافع الرئيسي وراء السعي الحثيث نحو الاندماج النووي يكمن في مزاياه الفريدة كحل لمشاكل الطاقة في القرن الحادي والعشرين. أولًا وقبل كل شيء، يعد الاندماج مصدرًا للطاقة نظيفًا بشكل استثنائي. على عكس الوقود الأحفوري، لا ينتج الاندماج غازات دفيئة تساهم في تغير المناخ. كما أنه لا ينتج نفايات مشعة طويلة الأمد مثل الانشطار النووي، مما يلغي الحاجة إلى مواقع تخزين معقدة ومكلفة للنفايات. النفايات الرئيسية لاندماج D-T هي الهيليوم، وهو غاز خامل وغير ضار. حتى النيوترونات المنبعثة، على الرغم من أنها تنشط المواد المحيطة بالمفاعل، إلا أن إشعاعها يتلاشى بسرعة أكبر بكثير مقارنة بالنفايات الناتجة عن الانشطار.

ثانيًا، الاندماج يوفر طاقة وفيرة ومستدامة. الوقود الأساسي، الديوتيريوم، يمكن استخراجه من مياه البحر، وهو مورد شبه لا نهائي. الليثيوم، اللازم لإنتاج التريتيوم، متوفر أيضًا بكميات كبيرة في القشرة الأرضية. هذا يعني أن الاندماج يمكن أن يوفر طاقة مستقرة وغير محدودة للأجيال القادمة، مما يحرر البشرية من الاعتماد على الموارد المحدودة والمتناقصة.

99.9%
نقاوة الوقود
100,000
مرة أكثر طاقة
0
انبعاثات كربونية
4
أضعاف نفايات الانشطار

ثالثًا، الاندماج يعتبر آمنًا بطبيعته. على عكس مفاعلات الانشطار، لا يوجد خطر لانصهار نووي في مفاعل الاندماج. وذلك لأن عملية الاندماج تتطلب ظروفًا دقيقة للغاية. أي خلل في هذه الظروف (مثل انقطاع التيار الكهربائي أو فقدان الاحتواء) سيؤدي إلى توقف تفاعل الاندماج فورًا. كما أن كمية الوقود الموجودة داخل المفاعل في أي وقت تكون صغيرة جدًا، مما يحد من أي خطر محتمل.

مقارنة بالموارد المتجددة

بينما تلعب مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح دورًا حيويًا في مزيج الطاقة العالمي، إلا أنها تواجه تحديات تتعلق بالتقطع وعدم الانتظام. تعتمد هذه المصادر على الظروف الجوية، مما يتطلب حلول تخزين طاقة مكلفة ومعقدة. الاندماج، من ناحية أخرى، يوفر طاقة أساسية (baseload power) يمكن توليدها باستمرار، مما يجعله مكملاً مثالياً للطاقات المتجددة، وليس بديلاً عنها بالضرورة.

إمكانية الوصول العالمي

يمكن بناء محطات الاندماج في أي مكان تقريبًا، نظرًا لوفرة الوقود وسهولة الوصول إليه. هذا يختلف عن مصادر الطاقة الأخرى التي قد تكون محصورة في مناطق جغرافية معينة (مثل الطاقة الحرارية الأرضية أو الطاقة الكهرومائية). هذا الانتشار العالمي المحتمل للاندماج يمكن أن يساهم في استقرار شبكات الطاقة العالمية وتقليل الاعتماد على مناطق إنتاج الوقود التقليدي.

التحديات التقنية الهائلة

على الرغم من الوعود الهائلة، فإن تحقيق الاندماج النووي المستدام والمجدٍ اقتصاديًا على الأرض يواجه تحديات تقنية هائلة، ترتبط أساسًا بضرورة خلق واحتواء البلازما في ظروف حرجة. أهم هذه التحديات هو الوصول إلى "نقطة الاشتعال" (ignition) أو ما يعرف بتحقيق "الربح الطاقوي" (energy gain)، حيث ينتج المفاعل طاقة أكثر بكثير مما يستهلكه للحفاظ على عملية الاندماج. هذا يعني تجاوز عتبة حيث يبدأ الاندماج في توليد حرارة كافية للحفاظ على نفسه.

تتطلب هذه الظروف درجات حرارة تزيد عن 100 مليون درجة مئوية. عند هذه الدرجات، تصبح المواد التقليدية غير قادرة على التحمل. لذا، يتم الاعتماد على تقنيتين رئيسيتين لاحتواء البلازما: الاحتواء المغناطيسي (Magnetic Confinement Fusion - MCF) والاحتواء بالقصور الذاتي (Inertial Confinement Fusion - ICF). في الاحتواء المغناطيسي، تُستخدم مجالات مغناطيسية قوية جدًا لتشكيل "حاوية" تحافظ على البلازما الساخنة بعيدًا عن جدران المفاعل. أما في الاحتواء بالقصور الذاتي، فيتم تسخين وتكثيف كبسولات وقود صغيرة جدًا بسرعة فائقة باستخدام أشعة ليزر قوية أو حزم جسيمات، مما يؤدي إلى انفجار صغير من الاندماج.

الاستثمار السنوي في أبحاث الاندماج (تقديري)
الولايات المتحدة$1.5 مليار
الاتحاد الأوروبي$1.2 مليار
الصين$1.0 مليار
اليابان$0.7 مليار

تحديات الاحتواء المغناطيسي

المفاعلات التي تعتمد على الاحتواء المغناطيسي، مثل التوكاماك (Tokamak) والستيلاتور (Stellarator)، تواجه تحديات تتعلق باستقرار البلازما. البلازما مادة مضطربة بطبيعتها، ويمكن أن تحدث فيها اضطرابات تسبب فقدان الحرارة أو انهيار الاحتواء. تصميم ملفات مغناطيسية معقدة للغاية لإنشاء حقول مستقرة ودائمة يتطلب هندسة دقيقة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون المواد المستخدمة في جدران المفاعل قادرة على تحمل تدفق النيوترونات عالي الطاقة لفترات طويلة دون أن تتدهور خصائصها، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا لعلوم المواد.

تحديات الاحتواء بالقصور الذاتي

في المقابل، يعتمد الاحتواء بالقصور الذاتي على تحقيق اندماج فعال باستخدام أشعة ليزر قوية جدًا. يتطلب هذا تقنية ليزر بالغة الدقة والفعالية، بالإضافة إلى إنتاج كبسولات الوقود الصغيرة بدقة متناهية. يجب أن تكون الانفجارات الاندماجية صغيرة وسريعة ومتكررة بما يكفي لتوليد طاقة مستمرة. كما أن التعامل مع الحرارة العالية والجسيمات عالية الطاقة الناتجة عن كل انفجار يشكل تحديًا هندسيًا كبيرًا.

تحديات المواد والتبريد

حتى مع احتواء البلازما بنجاح، هناك تحديات تتعلق بتبديد الحرارة المتولدة. يجب تصميم أنظمة تبريد فعالة جدًا لأخذ الحرارة من جدران المفاعل وتحويلها إلى كهرباء. المواد التي تتلامس مع البلازما أو تتعرض للنيوترونات يجب أن تكون مقاومة للتلف والإجهاد. تطوير مواد جديدة قادرة على تحمل هذه الظروف القاسية هو مجال بحث نشط بحد ذاته.

أبرز المشاريع البحثية حول العالم

يشهد مجال الاندماج النووي نشاطًا عالميًا مكثفًا، مع مشاريع بحثية رائدة تسعى جاهدة لتحقيق الهدف النهائي. أبرز هذه المشاريع هو "المشروع الدولي الحراري النووي التجريبي" (ITER)، الذي يعتبر أكبر وأكثر مشاريع الطاقة تعاونية في التاريخ. يقع ITER في جنوب فرنسا، وهو جهد مشترك يضم 35 دولة، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، روسيا، الصين، الهند، اليابان، وكوريا الجنوبية. الهدف الرئيسي من ITER هو إثبات الجدوى العلمية والتقنية لطاقة الاندماج على نطاق واسع، وإنتاج طاقة اندماجية تعادل عشرة أضعاف الطاقة اللازمة لتسخين البلازما (Q=10).

يعتمد ITER على تصميم التوكاماك، وهو جهاز على شكل حلقة (دونات) يستخدم مجالات مغناطيسية قوية لاحتواء البلازما. يتطلب بناء ITER كميات هائلة من المكونات الدقيقة، بما في ذلك مغناطيسات فائقة التوصيل ضخمة، وتصميم معقد لأوعية التفريغ، وأنظمة تسخين متقدمة، بالإضافة إلى أنظمة معالجة الوقود وإزالة المنتجات الثانوية.

الدول المشاركة والمساهمات في مشروع ITER
الجهة المشاركة نسبة المساهمة (تقريبية) المساهمات الرئيسية
الاتحاد الأوروبي 46% تصميم المفاعل، المكونات الهيكلية، أنظمة التبريد
الصين 9% مكونات التوكاماك، أنظمة التفريغ، البلازما
الهند 9% المغناطيسات، أنظمة التدفئة
اليابان 9% المغناطيسات، أنظمة التفريغ
كوريا الجنوبية 7% المكونات الهيكلية، أنظمة التحكم
روسيا 7% مكونات التوكاماك، أنظمة التدفئة
الولايات المتحدة 7% المغناطيسات، أنظمة التفريغ

مشاريع أخرى بارزة

بالإضافة إلى ITER، هناك العديد من المبادرات الهامة الأخرى حول العالم. في المملكة المتحدة، يواصل مختبر Culham Centre for Fusion Energy (CCFE) أبحاثه على جهاز MAST Upgrade (Mega Ampere Tokamak), وهو نسخة محسنة من التوكاماك مصمم لدراسة تقنيات احتواء البلازما المتقدمة. في ألمانيا، يعمل جهاز Wendelstein 7-X، وهو أكبر جهاز ستيلاتور في العالم، على استكشاف إمكانات هذا التصميم البديل للتوكاماك، والذي قد يوفر استقرارًا أفضل للبلازما.

في الولايات المتحدة، تشهد الصناعة الخاصة لاندماج الطاقة نموًا متزايدًا. شركات مثل Commonwealth Fusion Systems (CFS)، وهي شركة ناشئة انبثقت عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تقود جهودًا لتطوير مفاعلات اندماج مدمجة ومربحة اقتصاديًا باستخدام مغناطيسات فائقة التوصيل جديدة تعتمد على المواد عالية الحرارة (HTS). مشروع SPARC الخاص بـ CFS يهدف إلى إثبات إمكانية تحقيق ربح طاقوي كبير باستخدام هذه التقنية.

الاحتواء بالقصور الذاتي: مختبرات لورانس ليفرمور

في الولايات المتحدة أيضًا، لعبت المنشأة الوطنية للإشعال (National Ignition Facility - NIF) في مختبرات لورانس ليفرمور الوطنية دورًا رائدًا في أبحاث الاحتواء بالقصور الذاتي. في أواخر عام 2022، أعلنت NIF عن تحقيق "إشعال" لأول مرة، حيث أنتجت تفاعل اندماج أطلق طاقة أكبر من الطاقة التي استهلكتها أشعة الليزر التي بدأت العملية. هذا الإنجاز التاريخي، على الرغم من أنه لا يزال بعيدًا عن توليد طاقة كهربائية، إلا أنه يمثل خطوة هائلة نحو إثبات جدوى ICF.

"إن تحقيق الإشعال في NIF هو لحظة فارقة في مسيرة أبحاث الاندماج. إنه يثبت أن مبادئنا الفيزيائية صحيحة وأننا نمتلك الأساس العلمي لتسخير هذه الطاقة. التحدي الآن هو الانتقال من هذا الإنجاز المختبري إلى مفاعل يولد الكهرباء باستمرار." —
— د. إيلينا رودريغيز، فيزيائية بلازما

التقدم المحرز: لحظات حاسمة وإنجازات

رحلة الاندماج النووي مليئة بالنجاحات التدريجية والتحديات المتكررة. على مدى العقود الماضية، شهدنا تقدمًا كبيرًا في فهم فيزياء البلازما، وتطوير تقنيات الاحتواء، وتحسين كفاءة المكونات. في الستينيات، كانت درجة حرارة البلازما التي يمكن تحقيقها بضع ملايين من الدرجات المئوية. اليوم، تجاوز العلماء 100 مليون درجة مئوية في العديد من التجارب.

إحدى اللحظات التاريخية كانت في عام 1997، عندما حقق مفاعل JET (Joint European Torus) في المملكة المتحدة رقمًا قياسيًا في إنتاج طاقة اندماجية بلغت 16 ميغاواط، وهو ما كان في حينه أكبر كمية طاقة اندماجية منتجة في أي مفاعل تجريبي. على الرغم من أن هذه الطاقة كانت أقل بكثير من الطاقة المستهلكة، إلا أنها أثبتت إمكانية توليد كميات كبيرة من الطاقة بهذه الطريقة.

إنجازات الاحتواء بالقصور الذاتي

كما ذكرنا سابقًا، فإن تحقيق "الإشعال" في NIF في أواخر عام 2022 يمثل علامة فارقة. في هذه التجربة، تم تسليط 192 شعاع ليزر على كبسولة وقود صغيرة، مما أدى إلى انضغاطها ورفع درجة حرارتها إلى مستويات سمحت بحدوث الاندماج، حيث تم إنتاج حوالي 3.15 ميغا جول من الطاقة الاندماجية، مقارنة بحوالي 2.05 ميغا جول من طاقة الليزر التي استهلكتها التجربة. هذا يعني تحقيق "ربح طاقوي" (energy gain) للنبضة الأولى.

المزيد عن إنجاز NIF

تطور المغناطيسات فائقة التوصيل

يعد التقدم في تكنولوجيا المواد، وخاصة المغناطيسات فائقة التوصيل، محوريًا لتطور الاندماج. اكتشاف وتطوير مغناطيسات جديدة تعتمد على المواد عالية الحرارة (HTS) يفتح الباب أمام تصميم مفاعلات اندماج أصغر وأكثر كفاءة. هذه المغناطيسات يمكن أن تولد مجالات مغناطيسية أقوى في حجم أصغر، مما يقلل من حجم المفاعل وتكلفته بشكل كبير. هذا هو أساس النهج الذي تتبعه شركات مثل CFS.

توقعات مستقبلية

يتوقع الخبراء أن ITER سيبدأ في إنتاج البلازما في منتصف العقد القادم (2025-2030)، ليبدأ التجارب الكاملة لتوليد طاقة اندماجية في أوائل الثلاثينيات. أما بالنسبة لمحطات الطاقة الاندماجية التجارية، فإن التوقعات تتراوح بين منتصف القرن الحالي (2050) وما بعده، اعتمادًا على مدى سرعة التغلب على التحديات التقنية والاقتصادية المتبقية.

الجدوى الاقتصادية وآفاق المستقبل

يمثل تحقيق الاندماج النووي على نطاق تجاري تحديًا اقتصاديًا كبيرًا. الاستثمارات الأولية في بناء مفاعلات الاندماج ضخمة، نظرًا لتعقيد التقنية وحجم الأجهزة المطلوبة. يتطلب بناء وتشغيل مفاعل اندماج مثل ITER مليارات الدولارات. ومع ذلك، فإن الهدف النهائي هو إنتاج طاقة بتكلفة تنافسية مع مصادر الطاقة الأخرى على المدى الطويل.

تكمن الميزة الاقتصادية طويلة الأجل في وفرة الوقود شبه المجاني (الديوتيريوم من مياه البحر) وتكاليف التشغيل المنخفضة نسبيًا مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى التي تتطلب استبدالًا مستمرًا للوقود أو تتعرض لتقلبات أسعار عالمية. كما أن عمر التشغيل الطويل لمحطات الاندماج، بالإضافة إلى انخفاض تكاليف إدارة النفايات، يساهم في الجدوى الاقتصادية على المدى البعيد.

دور الاستثمار الخاص

شهدت السنوات الأخيرة تدفق استثمارات خاصة كبيرة في شركات الاندماج الناشئة. هذا التمويل الخاص يوفر مرونة وسرعة أكبر في البحث والتطوير مقارنة بالمشاريع الحكومية الكبرى. تهدف هذه الشركات إلى تطوير تصميمات مفاعلات أصغر وأكثر فعالية من حيث التكلفة، مما قد يسرع من وصول الاندماج إلى الشبكة الكهربائية.

استثمارات بمليارات الدولارات في شركات الاندماج الناشئة

الجدوى التنافسية

عندما يصبح الاندماج التجاري واقعًا، فإنه سيكون منافسًا قويًا لمصادر الطاقة الأخرى. قدرته على توفير طاقة أساسية مستقرة، مع انخفاض التكاليف التشغيلية وغياب انبعاثات الكربون، يجعله خيارًا جذابًا للغاية. قد لا يحل الاندماج محل مصادر الطاقة المتجددة، بل سيكملها، موفرًا أساسًا طاقويًا موثوقًا به في عالم يسعى جاهداً لإلغاء الكربون.

آفاق المستقبل

إن مستقبل طاقة الاندماج يبدو واعدًا، على الرغم من المسار الطويل والتحديات المتبقية. التقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع، بالإضافة إلى الدعم المتزايد من الحكومات والقطاع الخاص، يدفع هذا المجال إلى الأمام بوتيرة غير مسبوقة. إذا تم التغلب على العقبات الحالية، فإن الاندماج النووي يمكن أن يحدث ثورة حقيقية في طريقة حصولنا على الطاقة، ويساهم بشكل كبير في مواجهة تغير المناخ وضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة.

"نحن على أعتاب عصر جديد في مجال الطاقة. لم يعد الاندماج مجرد حلم علمي، بل أصبح هدفًا هندسيًا وتقنيًا قابلاً للتحقيق. التحديات كبيرة، لكن المكافآت - طاقة نظيفة، وفيرة، وآمنة - تستحق كل هذا الجهد." —
— د. جون سميث، رئيس أبحاث الاندماج

أسئلة شائعة حول طاقة الاندماج

ما هو الفرق الرئيسي بين الانشطار والاندماج النووي؟
الانشطار النووي يقسم النوى الثقيلة (مثل اليورانيوم) لإطلاق الطاقة، بينما الاندماج النووي يدمج النوى الخفيفة (مثل الهيدروجين) لتوليد طاقة أكبر بكثير.
هل تعتبر طاقة الاندماج آمنة؟
نعم، طاقة الاندماج آمنة بطبيعتها. لا يوجد خطر لانصهار نووي، وأي خلل في التشغيل يؤدي إلى توقف العملية تلقائيًا. كمية الوقود المستخدمة صغيرة جدًا.
ما هي المشكلة الرئيسية في تحقيق الاندماج؟
التحدي الرئيسي هو خلق واحتواء البلازما في درجات حرارة تزيد عن 100 مليون درجة مئوية، وتحقيق ربح طاقوي مستمر (إنتاج طاقة أكثر مما يستهلك).
متى يمكن أن تصبح طاقة الاندماج متاحة تجارياً؟
التوقعات تشير إلى أن أولى محطات الطاقة الاندماجية التجارية قد تبدأ العمل في منتصف القرن الحادي والعشرين (بعد عام 2050)، بعد نجاح مشاريع تجريبية مثل ITER.
ما هي المواد التي تستخدم كوقود للاندماج؟
الوقود الأكثر شيوعًا هو الديوتيريوم والتريتيوم، وهما نظيران للهيدروجين. الديوتيريوم متوفر بكثرة في مياه البحر، والتريتيوم يمكن إنتاجه من الليثيوم.
هل تنتج طاقة الاندماج نفايات خطرة؟
لا تنتج طاقة الاندماج نفايات مشعة طويلة الأمد مثل الانشطار النووي. المنتج الرئيسي هو الهيليوم، وهو غاز غير ضار. النيوترونات المنبعثة تنشط المواد المحيطة، لكن هذا النشاط أقل بكثير ويدوم لفترة أقصر.