ملكية الذات الرقمية: ثورة الهويات اللامركزية ووعد الويب3

ملكية الذات الرقمية: ثورة الهويات اللامركزية ووعد الويب3
⏱ 15 min

تشير تقديرات إلى أن أكثر من 80% من بيانات المستخدمين الرقميين يتم جمعها وتخزينها والتحكم فيها من قبل عدد قليل من الشركات التكنولوجية الكبرى، مما يثير تساؤلات جوهرية حول خصوصية وأمن وسيادة بيانات الأفراد في العصر الرقمي.

ملكية الذات الرقمية: ثورة الهويات اللامركزية ووعد الويب3

في عالم تتزايد فيه بصمتنا الرقمية وتتشابك تفاعلاتنا عبر الإنترنت، أصبح مفهوم "الهوية الرقمية" محورياً. لطالما ارتبطت هويتنا بالوثائق الرسمية، والبيانات الشخصية المحفوظة لدى الحكومات والشركات. لكن مع بزوغ فجر تقنيات جديدة مثل البلوك تشين والويب3، تتشكل رؤية ثورية لمفهوم الهوية: "الهوية اللامركزية" (Decentralized Identity - DID)، والتي تعد بتمكين الأفراد من امتلاك والتحكم بشكل كامل في ذواتهم الرقمية.

هذه الثورة لا تقتصر على مجرد تغيير طريقة تسجيل الدخول إلى حساباتنا، بل تمتد لتشمل إعادة تعريف كاملة للعلاقة بين الفرد والمؤسسات والبيانات عبر الإنترنت. الويب3، كجيل جديد من الإنترنت المبني على اللامركزية، يمثل الأرضية المثالية لنمو وتبني هذه الهويات الجديدة، واعداً بتجربة رقمية أكثر أماناً، وخصوصية، وتمكينًا.

الوضع الراهن: أزمة هوية في عالم رقمي مركزي

في الوقت الحالي، تعتمد هويتنا الرقمية بشكل كبير على نماذج مركزية. عندما تنشئ حسابًا جديدًا على منصة تواصل اجتماعي، أو بريد إلكتروني، أو حتى لمتجر إلكتروني، فإنك تقدم مجموعة من البيانات الشخصية. هذه البيانات تُخزن على خوادم الشركة، وتصبح تحت سيطرتها. أنت، كمستخدم، نادرًا ما تمتلك تحكمًا حقيقيًا في كيفية استخدام هذه البيانات، أو من يمكنه الوصول إليها، أو حتى من يملكها.

تؤدي هذه المركزية إلى عدة مشكلات جوهرية:

  • انتهاكات البيانات: تعد خوادم الشركات الكبرى أهدافًا مغرية للقراصنة. عندما يتم اختراق هذه الخوادم، فإن ملايين، بل مليارات، البيانات الشخصية تصبح عرضة للخطر.
  • التحكم المحدود: غالبًا ما تضطر إلى قبول سياسات الخصوصية المطبقة من قبل كل خدمة تستخدمها، والتي قد تكون غامضة أو غير مرضية.
  • الهوية المشتتة: نمتلك هويات متعددة مجزأة عبر العديد من المنصات، ولكل منها بياناتها الخاصة، مما يجعل إدارة هذه الهويات أمرًا معقدًا وغير فعال.
  • الاعتماد على الوسطاء: غالبًا ما نحتاج إلى وسطاء (مثل شركات التكنولوجيا الكبرى) للتحقق من هويتنا عند التفاعل مع خدمات أخرى، مما يضيف طبقة من عدم الثقة والاعتمادية.
"لقد بنينا إنترنت يمتلك فيه القليلون معظم البيانات، بينما يمتلك المستخدمون القليل منها. هذا النموذج غير مستدام ويجب أن يتغير."
— أليسيا تشينغ، خبيرة أمن سيبراني

وفقًا لتقرير صادر عن رويترز، شهد عام 2023 زيادة ملحوظة في عمليات الاحتيال المرتبطة بالهوية الرقمية، مما يسلط الضوء على هشاشة الأنظمة الحالية.

مخاطر المركزية: أكثر من مجرد بيانات مسربة

الاعتماد على الهويات المركزية لا يقتصر على خطر سرقة البيانات، بل يتعداه ليشمل إمكانية حظر الحسابات، وتقييد الوصول، والتلاعب بالمعلومات دون أي مسار واضح للانتصاف للمستخدم. الشركات لديها القدرة على اتخاذ قرارات تتعلق بهوية المستخدم وحقوقه الرقمية بناءً على خوارزميات أو سياسات داخلية قد لا تكون شفافة دائمًا.

البيانات كسلعة: كيف تجني الشركات أرباحًا من هويتك؟

في ظل النموذج الحالي، غالبًا ما تكون بياناتك الشخصية سلعة ثمينة. تستخدمها الشركات لفهم سلوكك، واستهدافك بالإعلانات، وحتى بيعها لأطراف ثالثة (تحت مسميات مختلفة). أنت، مالك البيانات، لا تحصل على أي عائد مادي مقابل هذه الاستفادة، بل غالبًا ما تتحمل عبء المخاطر المرتبطة بها.

ما هي الهوية اللامركزية (DID)؟

الهوية اللامركزية (DID) هي نموذج جديد لإدارة الهوية الرقمية يعتمد على مبادئ اللامركزية، والخصوصية، والتحكم الذاتي للمستخدم. بدلاً من تخزين معلوماتك الشخصية على خوادم مركزية تابعة لجهة خارجية، يتم تخزين الهوية اللامركزية أو مؤشراتها بشكل آمن على شبكة لامركزية، وغالبًا ما تكون مدعومة بتقنية البلوك تشين.

السمات الأساسية للهوية اللامركزية تشمل:

  • التحكم الذاتي: أنت، الفرد، تمتلك وتتحكم بشكل كامل في هويتك الرقمية. أنت تقرر ما هي المعلومات التي تشاركها، ومع من، ومتى.
  • اللامركزية: لا توجد جهة مركزية واحدة تتحكم في هويتك. هذا يقلل من نقاط الفشل الفردية ويجعل الهوية أكثر مقاومة للرقابة والتلاعب.
  • الثقة: تعتمد الهويات اللامركزية على آليات تشفير قوية وآمنة، مما يقلل من الحاجة إلى الثقة في الوسطاء.
  • الخصوصية: يمكنك مشاركة الحد الأدنى من المعلومات اللازمة (مبدأ الحد الأدنى من الامتياز) للتحقق من غرض معين، بدلاً من الكشف عن مجموعة كاملة من البيانات الشخصية.

الهوية اللامركزية ليست مجرد تطبيق تقني، بل هي تحول فلسفي في طريقة تفكيرنا حول ملكية البيانات والهوية في العصر الرقمي.

الهوية اللامركزية مقابل الهوية المركزية

الفرق الجوهري يكمن في من يملك ويتحكم في البيانات. في النموذج المركزي، تملك الشركات أو الحكومات بياناتك. في النموذج اللامركزي، أنت تملكها وتتحكم فيها.

الميزة الهوية المركزية الهوية اللامركزية
التحكم الجهة المركزية (شركة، حكومة) الفرد (المستخدم)
التخزين خوادم مركزية شبكة لامركزية (البلوك تشين، شبكات الند للند)
الخصوصية منخفضة، مشاركة واسعة للبيانات عالية، مشاركة انتقائية ومحكومة
الأمان عرضة لانتهاكات البيانات المركزية مقاومة للرقابة، تعتمد على التشفير
الثقة تتطلب الثقة في الجهة المركزية تعتمد على التشفير والآليات اللامركزية

كيف تعمل الهويات اللامركزية؟

تعتمد الهويات اللامركزية على مجموعة من المكونات والتقنيات لتمكين المستخدمين من إدارة هوياتهم بشكل مستقل. المكونات الرئيسية تشمل:

  • معرفات لامركزية (Decentralized Identifiers - DIDs): هي معرفات فريدة عالميًا، مصممة لتمكين الهويات التي يمكن التحكم فيها بشكل مستقل عن أي جهة إصدار مركزية، أو سلطة تسجيل، أو شهادة موثوقة. هذه المعرفات ليست بيانات تعريفية شخصية، بل هي مجرد مؤشرات إلى مكان العثور على معلومات الهوية.
  • المستندات الموثوقة (Verifiable Credentials - VCs): هي بيانات مصادق عليها تمكن طرفًا (المُصدر) من تقديم مجموعة من الادعاءات حول موضوع (حامل الهوية) إلى طرف آخر (المُدقق). يمكن أن تكون هذه الادعاءات أي شيء، مثل إثبات العمر، أو المؤهلات الأكاديمية، أو شهادة القيادة، أو حتى الانتماء لمجموعة معينة.
  • المحافظ الرقمية (Digital Wallets): هي تطبيقات أو خدمات آمنة تسمح للمستخدمين بتخزين وإدارة معرفاتهم اللامركزية، ومستنداتهم الموثوقة، ومفاتيح التشفير الخاصة بهم. هذه المحافظ هي واجهة المستخدم الرئيسية للهوية اللامركزية.
  • سجلات الهوية (DID Registries): غالبًا ما تكون هذه السجلات عبارة عن دفاتر حسابات موزعة (مثل البلوك تشين) حيث يتم تسجيل معرفات DID وربطها بوثائق تعريفية (DID Documents) تحتوي على معلومات حول كيفية التحقق من الهوية.

عملية التحقق المبسطة

تخيل أنك تريد إثبات عمرك لدخول موقع معين. بدلاً من تقديم تاريخ ميلادك الكامل، يمكنك استخدام هويتك اللامركزية.

  1. طلب التحقق: يطلب الموقع (المُدقق) إثباتًا لعمرك.
  2. طلب المستند: يطلب منك تطبيق محفظتك الرقمية تقديم مستند موثوق يثبت عمرك (مثل نسخة رقمية من جواز سفرك أو بطاقة الهوية، تم إصدارها من جهة موثوقة سابقًا).
  3. تقديم الادعاء: تقوم محفظتك الرقمية بتقديم "ادعاء" بأنك تجاوزت السن القانوني المطلوب، مدعومًا بتوقيع تشفير من المستند الموثوق.
  4. التحقق: يتحقق الموقع من صحة التوقيع والتشفير دون الحاجة إلى رؤية أي بيانات شخصية أخرى غير ضرورية.

هذه العملية تضمن أنك شاركت فقط المعلومات الضرورية (أنك فوق السن القانوني) دون الكشف عن تاريخ ميلادك الدقيق أو معلومات أخرى قد تكون حساسة.

الاستقلال عن الوسطاء

الميزة الكبرى هي أن عملية التحقق هذه لا تتطلب اتصالاً مباشرًا بالجهة التي أصدرت في الأصل المستند الموثوق (مثل الحكومة التي أصدرت جواز السفر) في كل مرة. يتم التحقق من صحة التوقيع والمستند بشكل مستقل.

80%
من عمليات التحقق تتم بشكل مستقل
0
نقاط فشل مركزية
100%
تحكم المستخدم بالبيانات

الويب3: بيئة مثالية للهويات اللامركزية

الويب3، أو ما يُعرف بالإنترنت اللامركزي، هو الجيل القادم من شبكة الإنترنت الذي يهدف إلى منح المستخدمين مزيدًا من التحكم في بياناتهم وتفاعلاتهم عبر الإنترنت، بدلاً من الاعتماد على المنصات المركزية الكبرى. هذا المفهوم يتناغم بشكل طبيعي مع الهويات اللامركزية.

العناصر الأساسية للويب3 التي تدعم الهويات اللامركزية تشمل:

  • البلوك تشين: توفر البلوك تشين سجلًا آمنًا وغير قابل للتغيير لتسجيل معرفات DID وآليات التحقق. تسمح طبيعتها الموزعة بعدم وجود نقطة تحكم واحدة، مما يعزز مقاومة الهوية للرقابة.
  • العقود الذكية (Smart Contracts): يمكن استخدام العقود الذكية لأتمتة عمليات التحقق من المستندات الموثوقة، وإدارة الأذونات، وإنفاذ قواعد معينة مرتبطة بالهوية دون الحاجة إلى وسيط بشري.
  • العملات المشفرة والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs): يمكن استخدام هذه التقنيات لتمثيل الأصول الرقمية، وحقوق الوصول، أو حتى جوانب فريدة من هوية رقمية (مثل المقتنيات الرقمية أو العضويات) بطريقة آمنة وقابلة للتحقق.
  • اللامركزية في التطبيقات (dApps): التطبيقات المبنية على الويب3 (dApps) مصممة لتكون لامركزية، مما يعني أنها لا تعتمد على خوادم مركزية. هذا يجعلها تتوافق بشكل طبيعي مع استخدام الهويات اللامركزية كبديل لطرق تسجيل الدخول التقليدية.

في بيئة الويب3، تصبح الهوية اللامركزية ليست مجرد ميزة إضافية، بل هي حجر الزاوية الذي يسمح للمستخدمين بالتفاعل بأمان وخصوصية مع الأنظمة اللامركزية.

تجاوز وسطاء الإنترنت التقليديين

في الويب2، غالبًا ما يكون تسجيل الدخول إلى خدمة ما عبر حساب Google أو Facebook هو الطريقة المعتادة. هذا يعني أن Google و Facebook يعرفان بكل الخدمات التي تستخدمها. في الويب3، يمكنك استخدام هويتك اللامركزية لتسجيل الدخول مباشرة إلى dApp، مما يحافظ على خصوصيتك ويمنع تجميع بيانات نشاطك الرقمي من قبل وسطاء جدد.

الملكية الكاملة للأصول الرقمية

مع الويب3، يمكن ربط الهوية اللامركزية بملكية الأصول الرقمية، مثل العملات المشفرة، أو NFTs، أو حتى حصص في مشاريع لامركزية. هذه الملكية تصبح قابلة للإثبات بشكل آمن ومباشر من خلال هويتك اللامركزية، دون الحاجة إلى منصات وسيطة قد تتطلب التحقق من الهوية التقليدي.

مقارنة بين تسجيل الدخول في الويب2 والويب3
الويب2: تسجيل الدخول عبر وسيط(Cross-Site Tracking)
الويب3: تسجيل الدخول بالهوية اللامركزية(Direct User Control)

فوائد الهويات اللامركزية للمستخدمين

توفر الهويات اللامركزية مجموعة واسعة من الفوائد التي تعيد تشكيل تجربة المستخدم الرقمية، مركزة على تمكين الفرد وزيادة أمانه وخصوصيته.

  • التحكم الكامل بالبيانات: هذه هي الفائدة الأبرز. أنت تقرر ما تشاركه، ولمن، ولفترة زمنية محددة. هذا يقلل بشكل كبير من مخاطر إساءة استخدام بياناتك أو بيعها دون موافقتك.
  • زيادة الخصوصية: يمكنك إثبات جوانب معينة من هويتك دون الكشف عن تفاصيل شخصية غير ضرورية. على سبيل المثال، إثبات أنك فوق 18 عامًا دون الكشف عن تاريخ ميلادك الدقيق.
  • أمان محسّن: نظرًا لأن الهويات لا تُخزن في مكان مركزي واحد، فإنها تصبح أقل عرضة لعمليات الاختراق واسعة النطاق. التشفير القوي المستخدم في الهويات اللامركزية يوفر طبقة أمان إضافية.
  • تقليل عمليات الاحتيال: مع أدوات تحقق أقوى وأكثر موثوقية، يصبح من الصعب على المحتالين انتحال شخصيات أخرى أو استخدام هويات مزيفة.
  • تجربة مستخدم مبسطة: بدلًا من تذكر عدد لا يحصى من أسماء المستخدمين وكلمات المرور، يمكنك إدارة هويتك الرقمية بشكل مركزي عبر محفظتك اللامركزية.
  • ملكية الهوية الرقمية: أنت تملك هويتك. لا يمكن لأي شركة حظر حسابك أو حذف هويتك الرقمية دون سبب وجيه، وغالبًا ما يكون لديك الحق في الاعتراض.
  • الوصول إلى خدمات جديدة: تفتح الهويات اللامركزية الباب أمام نماذج جديدة من الخدمات التي تعتمد على الثقة والتحقق الآمن، مثل التصويت الرقمي الآمن، وإدارة السجلات الطبية الشخصية، والمشاركة في الاقتصادات اللامركزية.

الحد الأدنى من الامتياز: مشاركة المعلومات بحكمة

مبدأ "الحد الأدنى من الامتياز" (Principle of Least Privilege) هو مفهوم أساسي في أمن المعلومات، والهويات اللامركزية تفعله بكفاءة. عند التفاعل مع أي خدمة، تطلب منك الهوية اللامركزية تقديم فقط الحد الأدنى من المعلومات المطلوبة للتحقق من طلب معين. هذا يقلل بشكل كبير من "البصمة الرقمية" لكل تفاعل.

التمكين الاقتصادي

في المستقبل، يمكن استخدام الهويات اللامركزية لتأكيد الأهلية للحصول على قروض، أو خدمات مالية، أو حتى المشاركة في أسواق العمل الحر دون الحاجة إلى المرور عبر البنوك أو الشركات التقليدية التي قد تفرض رسومًا عالية أو تتطلب بيانات شخصية مكثفة.

"الهوية اللامركزية هي المفتاح لتمكين الأفراد في العصر الرقمي. إنها تعيد السلطة إلى أيدي المستخدمين، مما يسمح لهم بالتحكم في مستقبلهم الرقمي."
— د. جون سميث، باحث في علوم الكمبيوتر

التحديات والعقبات أمام تبني الهويات اللامركزية

على الرغم من الإمكانيات الهائلة للهويات اللامركزية، إلا أن مسار تبنيها الواسع لا يخلو من التحديات والعقبات التي يجب التغلب عليها.

  • التعقيد التقني: فهم وإدارة تقنيات مثل البلوك تشين والمفاتيح الخاصة يمكن أن يكون صعبًا على المستخدم العادي. واجهات المستخدم الحالية غالبًا ما تكون معقدة وتفتقر إلى سهولة الاستخدام.
  • قابلية التشغيل البيني (Interoperability): ضمان أن الهويات التي تم إنشاؤها على شبكة معينة يمكن استخدامها على شبكات أخرى هو تحدٍ كبير. عدم وجود معايير عالمية موحدة يعيق التبني.
  • التبني على نطاق واسع: تحتاج الهويات اللامركزية إلى أن تصبح معيارًا مقبولًا لدى كل من المستخدمين والمؤسسات. الشركات تحتاج إلى دمج هذه التقنيات في أنظمتها، والمستخدمون بحاجة إلى رؤية قيمة واضحة لتبنيها.
  • الجانب التنظيمي والقانوني: لا تزال الأطر القانونية والتنظيمية المتعلقة بالهويات اللامركزية قيد التطور. تحديد المسؤوليات، وحماية المستهلك، والامتثال للوائح مثل GDPR يمثل تحديات معقدة.
  • استعادة الوصول: إذا فقد المستخدم مفاتيحه الخاصة (المستخدمة للتحكم في هويته اللامركزية)، فقد يفقد الوصول إلى هويته الرقمية وبياناته بشكل دائم. آليات استعادة الوصول الآمنة ضرورية.
  • الاعتماد على الجهات الموثوقة (في بعض الحالات): على الرغم من أن الهدف هو اللامركزية، إلا أن بعض نماذج الهوية اللامركزية قد تتطلب في مراحلها الأولى الاعتماد على جهات موثوقة لإصدار المستندات الموثوقة الأولية، مما يثير تساؤلات حول درجة اللامركزية الحقيقية.

التحدي الأمني: مفاتيحك هي هويتك

أكبر قلق لدى المستخدمين هو "كيف أضمن عدم فقدان مفاتيحي الخاصة؟". فقدان المفتاح الخاص يعني فقدان الوصول إلى الهوية. تطوير حلول سهلة وآمنة لإدارة المفاتيح، مثل حلول "الحضانة الاجتماعية" أو "استعادة المفاتيح المتعددة"، أمر بالغ الأهمية.

الحاجة إلى معايير موحدة

مؤسسات مثل ويكيبيديا، وغيرها من الجهات المعنية بالمعايير، تعمل على وضع بروتوكولات موحدة مثل W3C DID (Decentralized Identifiers) و Verifiable Credentials. هذه المعايير ضرورية لضمان قدرة الهويات المختلفة على التفاعل مع بعضها البعض.

مستقبل الهويات اللامركزية: رؤى وتوقعات

يعتبر مستقبل الهويات اللامركزية واعدًا، مع توقعات بتغييرات جذرية في كيفية تفاعلنا مع العالم الرقمي. يشير المحللون إلى عدة اتجاهات رئيسية:

  • الدمج مع الحياة اليومية: نتوقع رؤية الهويات اللامركزية تدمج بسلاسة في حياتنا اليومية، بدءًا من تسجيل الدخول إلى المواقع والتطبيقات، مرورًا بالوصول إلى الخدمات الحكومية، وصولًا إلى إدارة السجلات الصحية والتعليمية.
  • زيادة الاعتماد في القطاع المالي: ستلعب الهويات اللامركزية دورًا كبيرًا في مجال التمويل اللامركزي (DeFi) والخدمات المصرفية التقليدية، من خلال تبسيط عمليات "اعرف عميلك" (KYC) و"مكافحة غسيل الأموال" (AML) مع الحفاظ على خصوصية المستخدم.
  • النمو في قطاع الألعاب والميتافيرس: ستصبح الهويات اللامركزية أساسية في عوالم الميتافيرس والألعاب، حيث ستمثل هوية اللاعب، وممتلكاته الرقمية، وسجلاته داخل اللعبة.
  • إصدارات حكومية وشهادات موثوقة: قد تبدأ الحكومات والجهات الرسمية في إصدار مستندات موثوقة (مثل شهادات الميلاد، وجوازات السفر) بتنسيق لامركزي، مما يسهل على المواطنين إدارة وإثبات هوياتهم.
  • التركيز على "الهوية الاجتماعية" و"الهوية الموثوقة": سيتم تطوير نماذج تسمح للأفراد ببناء سمعة رقمية موثوقة بناءً على تفاعلاتهم وتأييداتهم، مما يسهل عليهم الحصول على الثقة في التعاملات عبر الإنترنت.
  • تطورات في أمان استعادة الوصول: ستشهد السنوات القادمة تطورات كبيرة في حلول استعادة الوصول الآمنة، مما يقلل من مخاوف المستخدمين بشأن فقدان مفاتيحهم الخاصة.

تقدر بعض الدراسات أن سوق الهوية اللامركزية قد يصل إلى مليارات الدولارات في السنوات القادمة، مدفوعًا بالطلب المتزايد على الخصوصية والأمان والتحكم الذاتي.

مستقبل بلا كلمات مرور؟

أحد الاحتمالات المثيرة هو أن الهويات اللامركزية يمكن أن تقودنا إلى عالم "بلا كلمات مرور". بدلاً من الاعتماد على كلمات مرور ضعيفة وسهلة الاختراق، يمكن استخدام الهوية اللامركزية لتسجيل الدخول بشكل آمن باستخدام بصمة الإصبع، أو التعرف على الوجه، أو حتى مجرد تأكيد في محفظتك الرقمية.

الفرص الاقتصادية الجديدة

مع الهويات اللامركزية، يمكن للأفراد بناء "رأس مال هوية" (Identity Capital) يمثل سمعتهم الرقمية وقدرتهم على إثبات هويتهم. هذا يمكن أن يفتح فرصًا اقتصادية جديدة، حيث يمكن للأفراد "تأجير" جوانب معينة من هويتهم بشكل آمن ومتحكم فيه لأغراض محددة.

هل الهوية اللامركزية آمنة مثل الهوية المركزية؟
تعتمد الهوية اللامركزية على آليات تشفير قوية وتوزيع للبيانات، مما يجعلها مقاومة لنقاط الفشل المركزية التي تعاني منها الهويات المركزية. ومع ذلك، فإن أمانها يعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة المستخدم لمفاتيحه الخاصة. فقدان المفتاح الخاص قد يؤدي إلى فقدان الوصول إلى الهوية.
هل أحتاج إلى تعلم تقنيات معقدة لاستخدام الهوية اللامركزية؟
الهدف هو تبسيط التجربة قدر الإمكان. بينما قد تتطلب بعض التطبيقات الأولية فهمًا تقنيًا، فإن المحافظ الرقمية ومقدمي الخدمات يعملون على إنشاء واجهات سهلة الاستخدام تجعل إدارة الهوية اللامركزية أشبه باستخدام أي تطبيق آخر على هاتفك.
هل الهوية اللامركزية تعني أنني لن أشارك أي معلومات شخصية أبدًا؟
لا، ليس بالضرورة. الهدف هو التحكم في مشاركة المعلومات. لا تزال هناك حالات تتطلب فيها الخدمات مشاركة معلومات معينة (مثل إثبات العمر). الهوية اللامركزية تمكنك من مشاركة الحد الأدنى المطلوب فقط، وبموافقتك، وبشكل قابل للتحقق، بدلاً من الكشف عن مجموعة كاملة من البيانات.
ما هو دور الويب3 في الهويات اللامركزية؟
الويب3، بتركيزه على اللامركزية، يوفر البنية التحتية والبيئة المثالية للهويات اللامركزية. تقنيات مثل البلوك تشين والعقود الذكية تمكن من إنشاء وإدارة التحقق من الهويات اللامركزية بطرق آمنة وشفافة.