ما وراء لوحات المفاتيح: فجر واجهات الدماغ والحاسوب وما يعنيه ذلك للبشرية

ما وراء لوحات المفاتيح: فجر واجهات الدماغ والحاسوب وما يعنيه ذلك للبشرية
⏱ 25 min

في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي بوتيرة غير مسبوقة، تبرز واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs) كواحدة من أكثر الابتكارات تحولاً، واعدة بإعادة تشكيل طريقة تفاعلنا مع العالم الرقمي، بل وحتى مع أجسادنا. ففي عام 2023، تجاوزت قيمة سوق واجهات الدماغ والحاسوب العالمية 1.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى أكثر من 4 مليارات دولار بحلول عام 2028، مما يعكس الاهتمام المتزايد والإمكانيات الهائلة لهذه التقنية.

ما وراء لوحات المفاتيح: فجر واجهات الدماغ والحاسوب وما يعنيه ذلك للبشرية

لقد ولّت الأيام التي كان فيها تفاعلنا مع الآلات يقتصر على حركات الأصابع الدقيقة على لوحات المفاتيح أو لمسات الشاشات. نحن نقف على أعتاب حقبة جديدة، عصر تتجاوز فيه إمكانياتنا الرقمية القيود المادية، حيث يصبح الفكر هو الواجهة. واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs) ليست مجرد مفهوم من أفلام الخيال العلمي، بل هي واقع علمي ينمو ويتطور بسرعة، حاملًا معه وعودًا هائلة بتغيير حياة الملايين، وتوسيع حدود ما هو ممكن للبشرية. هذه التقنيات تمكّننا من التواصل مباشرة مع الأجهزة باستخدام إشارات الدماغ، متجاوزة بذلك الحاجة إلى أي أجهزة إدخال تقليدية. إنها ثورة صامتة بدأت تتشكل، و"اليوم نيوز.برو" هنا لتسليط الضوء على أبعادها وتداعياتها.

التطور التاريخي: من الخيال العلمي إلى الواقع العلمي

لم تظهر فكرة الربط المباشر بين الدماغ والآلة من فراغ. لطالما أسرت فكرة "قراءة الأفكار" أو "التحكم بالعقل" خيال البشر. بدأت المحاولات العلمية الجادة في منتصف القرن العشرين، مع فهم أعمق لكيفية عمل الإشارات الكهربائية في الدماغ. كانت التجارب المبكرة تركز على تسجيل النشاط الدماغي باستخدام تقنيات مثل تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، ولكن القدرة على استخلاص معلومات مفيدة من هذه الإشارات كانت محدودة للغاية.

البذور الأولى: اكتشاف النشاط الكهربائي للدماغ

في عام 1924، سجل هانز برجر أول تخطيط كهربية للدماغ البشري (EEG)، وهو إنجاز شكل نقطة تحول في فهمنا للإشارات الكهربائية التي تنتجها الخلايا العصبية. أظهر هذا الاكتشاف أن الدماغ ليس كيانًا ساكنًا، بل هو مولد دائم للكهرباء، يمكن قياسه وتفسيره جزئيًا. هذا مهد الطريق أمام الأبحاث المستقبلية التي ستحاول فك شفرة هذه الإشارات.

التجارب الأولى على الحيوانات والبشر

في الستينيات والسبعينيات، بدأت الأبحاث تتجه نحو استخدام هذه الإشارات للتحكم. قام باحثون مثل جاك فيدال بتطوير أنظمة EEG قادرة على تمييز أنماط معينة من النشاط الدماغي، مما سمح بالتحكم في مؤشر بسيط على شاشة الكمبيوتر. كانت هذه الأنظمة بطيئة وغير دقيقة، لكنها أثبتت أن المفهوم ممكن.

الانتقال إلى التطبيقات العملية

شهدت العقود الأخيرة تسارعًا هائلاً. مع تقدم تكنولوجيا الاستشعار، وتحسن قدرات معالجة البيانات، وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت واجهات الدماغ والحاسوب أكثر دقة وقوة. ظهرت تقنيات جديدة، مثل واجهات الدماغ والحاسوب الغازية (invasive BCIs) التي تتطلب جراحة لزرع أقطاب كهربائية مباشرة في الدماغ، مما يوفر إشارات أكثر وضوحًا ودقة. في المقابل، تستمر الواجهات غير الغازية (non-invasive BCIs) في التطور، مقدمة حلولًا أسهل وأكثر أمانًا.

1924
أول تسجيل لـ EEG بشري
الستينيات-السبعينيات
بداية الأبحاث في التحكم بالإشارات الدماغية
عقد 2000 وما بعده
تطور كبير في الدقة والتطبيقات

المراحل الرئيسية في تطور واجهات الدماغ والحاسوب

مرت تقنية واجهات الدماغ والحاسوب بعدة مراحل حاسمة، بدءًا من الاكتشافات الأولية وصولًا إلى النماذج التجريبية والتطبيقات الواعدة. كل مرحلة ساهمت في بناء الأساس لما نراه اليوم.

مرحلة الاكتشاف (منتصف القرن العشرين)

تمثلت هذه المرحلة في فهم طبيعة الإشارات الكهربائية للدماغ. اكتشافات مثل تخطيط كهربية الدماغ (EEG) فتحت الباب أمام إمكانية قياس النشاط العصبي، ولكن مع فهم محدود لكيفية تفسير هذه البيانات.

مرحلة الإثبات المفاهيمي (أواخر القرن العشرين)

بدأت الأبحاث في إثبات جدوى التحكم في الأجهزة باستخدام الإشارات الدماغية. تم تطوير أنظمة بدائية قادرة على التحكم في مؤشرات أو اختيار أحرف، مما أظهر الإمكانية النظرية للتقنية.

مرحلة التطبيق المبكر (بداية القرن الحادي والعشرين)

شهدت هذه الفترة تحسنًا كبيرًا في دقة استخلاص الإشارات ومعالجتها. بدأت تطبيقات محدودة بالظهور، خاصة في المجال الطبي لمساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية الشديدة.

مرحلة التوسع والابتكار (الحاضر والمستقبل القريب)

تتسم هذه المرحلة بالتطور السريع في تقنيات الاستشعار، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات غير الغازية. يتم استكشاف تطبيقات جديدة في مجالات أوسع، مع تزايد الاهتمام التجاري.

كيف تعمل واجهات الدماغ والحاسوب؟

تعتمد واجهات الدماغ والحاسوب في جوهرها على قياس النشاط الكهربائي أو المغناطيسي للدماغ، ثم ترجمة هذه الإشارات إلى أوامر يمكن فهمها من قبل أجهزة الكمبيوتر أو الأجهزة الأخرى. هناك طريقتان رئيسيتان لتصنيف هذه الواجهات: غازية (invasive) وغير غازية (non-invasive).

الواجهات غير الغازية (Non-Invasive BCIs)

تعتبر الواجهات غير الغازية هي الأكثر شيوعًا والأقل تدخلاً. تستخدم هذه الواجهات مستشعرات توضع على فروة الرأس لقياس النشاط الكهربائي للدماغ. أشهر هذه التقنيات هو تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، والذي يقيس الجهد الكهربائي الناتج عن نشاط الخلايا العصبية. على الرغم من سهولة استخدامها وعدم حاجتها للجراحة، إلا أن إشارات EEG تكون أضعف وأقل دقة مقارنة بالواجهات الغازية، حيث تتأثر بعوامل مثل حركة الشعر والجمجمة.

تخـطيط كهربية الدماغ (EEG)

يعتمد EEG على وضع أقطاب كهربائية صغيرة على فروة الرأس، والتي تلتقط التقلبات الكهربائية الصغيرة التي تحدث عندما تتواصل الخلايا العصبية مع بعضها البعض. يمكن تدريب الأشخاص على توليد أنماط دماغية معينة (مثل التركيز أو الاسترخاء) والتي يمكن للنظام التعرف عليها واستخدامها لإصدار أوامر. على سبيل المثال، يمكن للمستخدم تخيل حركة ذراعه اليمنى لتنشيط خلية عصبية معينة، والتي يفسرها النظام على أنها أمر "تحرك إلى اليمين".

تخـطيط المغناطيسية الدماغية (MEG)

يقيس MEG المجالات المغناطيسية التي تولدها التيارات الكهربائية في الدماغ. هذه التقنية أقل شيوعًا من EEG بسبب تكلفتها العالية وحجم المعدات، لكنها توفر دقة مكانية أفضل إلى حد ما.

الواجهات الغازية (Invasive BCIs)

تتطلب الواجهات الغازية إجراء جراحة لزرع أقطاب كهربائية أو مصفوفات من الأقطاب الكهربائية مباشرة في القشرة الدماغية أو داخل الدماغ. توفر هذه التقنيات إشارات عصبية أقوى وأكثر دقة، مما يتيح تحكمًا أفضل وأكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فهي تحمل مخاطر جراحية، واحتمالية حدوث استجابات مناعية من الجسم، وتتطلب صيانة دورية.

شرائح الأقطاب الكهربائية (Electrode Arrays)

تُزرع هذه الشرائح، التي قد تحتوي على مئات أو آلاف من الأقطاب الكهربائية الصغيرة، في مناطق محددة من الدماغ. تسمح هذه التقنية بتسجيل نشاط خلايا عصبية فردية أو مجموعات صغيرة من الخلايا، مما يتيح فهمًا أعمق لكيفية تشفير الدماغ للمعلومات.

الأقطاب الكهربائية المزروعة (Implanted Electrodes)

في بعض الحالات، يمكن زرع أقطاب كهربائية منفردة في مناطق معينة. تُستخدم هذه التقنية غالبًا في العلاج العميق للدماغ (DBS) للمساعدة في علاج حالات مثل مرض باركنسون، ولكن يمكن أيضًا استغلالها في بعض تطبيقات BCIs.

معالجة الإشارات والذكاء الاصطناعي

بغض النظر عن طريقة القياس، فإن الخطوة الحاسمة هي معالجة الإشارات. تستخدم خوارزميات معقدة، غالبًا مدعومة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، لتصفية الضوضاء، وتحديد الأنماط الهامة، وترجمة هذه الأنماط إلى أوامر قابلة للتنفيذ. يتعلم النظام مع مرور الوقت كيف يربط بين أنماط نشاط الدماغ والتصرفات المطلوبة، مما يحسن الدقة والأداء بشكل مستمر.

مقارنة بين الواجهات الغازية وغير الغازية
الدقةعالية
التدخل الجراحيضروري
الخطرمرتفع
التكلفةمرتفعة
الاستخدامللتطبيقات المتقدمة

التطبيقات الحالية والمستقبلية: ثورة في الطب، الاتصالات، وحتى الترفيه

تتجاوز إمكانيات واجهات الدماغ والحاسوب مجرد مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة، لتشمل مجموعة واسعة من التطبيقات التي ستعيد تشكيل حياتنا اليومية. من استعادة القدرات المفقودة إلى تعزيز القدرات البشرية، المستقبل يبدو مليئًا بالابتكارات.

استعادة الوظائف الحركية والإدراكية

تُعد هذه هي الواجهة الأبرز والأكثر إنسانية لتقنية BCIs. بالنسبة للأشخاص الذين فقدوا القدرة على الحركة بسبب إصابات النخاع الشوكي، أو السكتات الدماغية، أو الأمراض التنكسية العصبية مثل التصلب الجانبي الضموري (ALS)، توفر BCIs بصيص أمل حقيقي.

التحكم في الأطراف الاصطناعية والكرسي المتحرك

تمكنت BCIs من مساعدة المرضى على التحكم في الأطراف الاصطناعية المتقدمة بدقة مدهشة، بحيث تشعر وكأنها امتداد لأجسادهم. كما تتيح للأشخاص المشلولين التحكم في الكراسي المتحركة والقيام بمهام بسيطة كانت مستحيلة في السابق.

استعادة التواصل

بالنسبة لأولئك الذين فقدوا القدرة على الكلام، يمكن لـ BCIs تمكينهم من التواصل مرة أخرى. من خلال فك شفرة نواياهم في الكتابة أو اختيار الكلمات، يمكنهم إنشاء جمل وإيصال أفكارهم.

تعزيز القدرات البشرية

لا يقتصر دور BCIs على استعادة ما فقد، بل يمتد إلى تعزيز ما لدينا. يمكن لهذه التقنيات أن تفتح آفاقًا جديدة في مجالات التعليم، والعمل، وحتى الإبداع.

التفاعل المحسّن مع الأجهزة

تخيل أن تكون قادرًا على تشغيل الأجهزة المنزلية، أو تغيير قنوات التلفزيون، أو حتى إرسال رسالة نصية بمجرد التفكير في ذلك. هذا ليس بعيد المنال مع تطور BCIs.

التلعيب والترفيه

بدأت ألعاب الفيديو في استكشاف إمكانيات BCIs. يمكن للاعبين التحكم في شخصياتهم في الألعاب بشكل أكثر انغماسًا، أو حتى توليد تجارب تفاعلية جديدة بالكامل بناءً على حالتهم العاطفية أو تركيزهم.

التعلم المعزز

قد تساعد BCIs في تحسين عمليات التعلم من خلال مراقبة مستويات تركيز المتعلم واستجاباته، وتكييف المحتوى التعليمي لزيادة الفعالية. بعض الأبحاث تشير إلى إمكانية "نقل" المهارات أو المعلومات.

التطبيقات الطبية المستقبلية

بالإضافة إلى استعادة الوظائف، تبشر BCIs بعلاجات جديدة للأمراض النفسية والعصبية.

علاج الاكتئاب والقلق

من خلال توفير ردود فعل فورية حول النشاط الدماغي، قد تساعد BCIs في تدريب الأشخاص على تنظيم حالتهم العاطفية، وربما توفير بدائل أو مكملات للعلاجات الحالية.

تحسين الذاكرة والتركيز

تُجرى أبحاث لاستكشاف كيف يمكن لـ BCIs تعزيز الذاكرة العاملة والقدرة على التركيز، وهو ما قد يكون له آثار إيجابية على الأشخاص الذين يعانون من ضعف الإدراك.

التطبيقات المتوقعة لواجهات الدماغ والحاسوب (تقديرات)
التطبيق القطاع التأثير المتوقع الإطار الزمني (تقديري)
التحكم في الأطراف الاصطناعية طبي استعادة كبيرة للحركة 2-5 سنوات
استعادة التواصل للكلام طبي تمكين التواصل الفعال 3-7 سنوات
التحكم في الأجهزة الذكية منزلي/تجاري راحة وسهولة استخدام 5-10 سنوات
تعزيز القدرات المعرفية تعليمي/مهني تحسين التعلم والإنتاجية 7-15 سنة
التفاعل المباشر في الواقع الافتراضي ترفيهي/اجتماعي انغماس غير مسبوق 5-12 سنة
علاجات اضطرابات المزاج طبي تقنيات علاجية جديدة 10-20 سنة
"نحن نرى أن واجهات الدماغ والحاسوب ليست مجرد أداة، بل هي جسر بين الوعي البشري والعالم الرقمي. الإمكانيات لا حدود لها، لكننا يجب أن نتحرك بحكمة ومسؤولية."
— د. ليلى خوري، باحثة في علم الأعصاب، جامعة القاهرة

التحديات الأخلاقية والمجتمعية: الحاجة إلى ضوابط وتنظيم

مع هذه القوة الهائلة تأتي مسؤوليات هائلة. إن دخولنا إلى عصر واجهات الدماغ والحاسوب يثير أسئلة أخلاقية واجتماعية عميقة تتطلب دراسة متأنية ونقاشًا مستمرًا. كيف نضمن أن هذه التقنيات تخدم البشرية ولا تضر بها؟

الخصوصية وأمن البيانات الدماغية

بيانات الدماغ هي أكثر البيانات حميمية وشخصية يمكن تصورها. إنها تكشف عن أفكارنا، مشاعرنا، وحتى نوايانا. تثير مسألة تخزين هذه البيانات، وكيفية حمايتها من الاختراق أو سوء الاستخدام، قلقًا كبيرًا. من المسؤول عن حماية هذه البيانات؟ وكيف يمكننا التأكد من عدم استخدامها للتلاعب بالأفراد أو استغلالهم؟

مخاطر القرصنة العصبية

فكرة "القرصنة العصبية"، حيث يمكن للمتسللين الوصول إلى الأفكار الشخصية أو حتى التحكم في سلوك الأفراد، تبدو كقصة من الخيال، ولكنها تصبح أكثر واقعية مع تطور BCIs. أي ثغرة أمنية في هذه الأنظمة يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة.

التمييز والتفاوت

هل ستصبح BCIs مجرد ترف للأغنياء، مما يخلق فجوة أكبر بين من يملكون القدرة على الوصول إلى هذه التقنيات ومن لا يملكون؟ إذا أصبحت هذه التقنيات أساسية في التعليم أو العمل، فإن عدم الوصول إليها قد يؤدي إلى تمييز منهجي.

تحديث البشر

إذا أدت BCIs إلى تعزيز القدرات البشرية بشكل كبير، فهل سيخلق ذلك ضغطًا على الآخرين لـ "التحديث" لمواكبة المنافسة؟ هذا يفتح الباب أمام نقاشات حول معنى الإنسانية وما إذا كنا نسعى لـ "تحسين" البشر إلى ما وراء طبيعتهم الأساسية.

الاستقلالية والإرادة الحرة

ماذا يعني عندما يمكن لآلة أن تفهم أو حتى تتنبأ بأفكارنا؟ هل هذا يقلل من استقلاليتنا أو قدرتنا على اتخاذ قرارات مستقلة؟ يجب أن نضمن أن BCIs تعزز خياراتنا ولا تحد منها.

التأثير على الهوية الذاتية

إذا أصبح تفاعلنا مع العالم يعتمد بشكل كبير على الإشارات الدماغية، فهل يمكن أن يؤثر ذلك على شعورنا بالذات وهويتنا؟

90%
من الأشخاص قلقون بشأن خصوصية بيانات الدماغ
70%
يعتقدون أن هناك حاجة ماسة لتنظيم BCIs
50%
يخشون من إمكانية التلاعب بالسلوك عبر BCIs

الحاجة إلى الأطر التنظيمية والقانونية

يجب على الحكومات، والمنظمات الدولية، والمجتمع العلمي العمل معًا لوضع إرشادات وأطر تنظيمية واضحة. هذا يشمل وضع معايير للأمن، والخصوصية، والوصول العادل، والاستخدام الأخلاقي. يجب أن تكون هذه الأطر مرنة بما يكفي للتكيف مع التطور السريع لهذه التقنيات.

"إن تطوير واجهات الدماغ والحاسوب يتطلب ليس فقط البراعة الهندسية والعلمية، بل أيضًا الحكمة الأخلاقية. لا يمكننا المضي قدمًا في هذه التقنيات دون اعتبار عميق لتأثيرها على حقوق الإنسان والقيم المجتمعية."
— البروفيسور أحمد السعيد، أستاذ القانون والتكنولوجيا، الجامعة الأمريكية بالقاهرة

تُعد هذه التحديات حاسمة لمعالجة مستقبل واجهات الدماغ والحاسوب، لضمان أن فوائدها تفوق بكثير مخاطرها المحتملة. الاستثمار في الأبحاث الأخلاقية والتنظيمية لا يقل أهمية عن الاستثمار في التقنية نفسها.

مستقبل البشرية مع واجهات الدماغ والحاسوب

إن رحلة واجهات الدماغ والحاسوب لا تزال في بدايتها، والمستقبل يحمل إمكانيات لا يمكننا حتى تخيلها بالكامل اليوم. مع التقدم المستمر في علم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، وهندسة المواد، نتوقع رؤية تطورات ستغير جذريًا طريقة عيشنا وتفاعلنا.

الاندماج السلس بين الإنسان والآلة

نتجه نحو عالم يصبح فيه الاندماج بين قدراتنا البيولوجية والقدرات التكنولوجية أمرًا طبيعيًا. قد لا نرى فرقًا واضحًا بين ما هو "بشري" وما هو "مصطنع"، بل نظام تكافلي يعزز كل منهما الآخر.

تواصل أعمق وأسرع

في المستقبل، قد لا نحتاج إلى الكلمات للتواصل. قد نتمكن من مشاركة الأفكار والمشاعر بشكل مباشر، مما يؤدي إلى مستويات غير مسبوقة من الفهم والتعاون. هذا يمكن أن يغير طبيعة العلاقات الإنسانية والعمل الجماعي.

تعزيز الإبداع والابتكار

بتوفير أدوات أكثر قوة وفورية للتعبير عن الأفكار، يمكن لـ BCIs أن تفتح الباب أمام موجات جديدة من الإبداع في الفن، والموسيقى، والعلم، والهندسة.

تجاوز القيود البيولوجية

مع فهمنا المتزايد للدماغ، قد نجد طرقًا لتجاوز بعض القيود البيولوجية، مثل الشيخوخة، أو الأمراض التنكسية، أو حتى حدود الذاكرة والتعلم.

إطالة العمر الصحي

من خلال القدرة على مراقبة وإصلاح الأضرار التي تلحق بالدماغ على المستوى الخلوي، قد نتمكن من إطالة العمر مع الحفاظ على جودة الحياة والقدرات المعرفية.

التفاعل المباشر مع الواقع الافتراضي والمعزز

يمكن لـ BCIs أن تخلق تجارب واقع افتراضي وواقع معزز غامرة بشكل لا يصدق، حيث لا تقتصر التفاعلات على الحركات الجسدية، بل تشمل الأفكار والمشاعر.

ضرورة التعاون الدولي

نظرًا للطبيعة العالمية لهذه التقنية، فإن التعاون الدولي ضروري. يجب على الدول تبادل المعرفة، ووضع معايير مشتركة، وضمان أن فوائد BCIs متاحة للجميع، وليس فقط للدول الغنية.

التقدم في واجهات الدماغ والحاسوب يمثل قفزة تطورية للبشرية. إنها فرصة لتوسيع حدود قدراتنا، وتحسين حياة الملايين، وربما إعادة تعريف ما يعنيه أن تكون إنسانًا. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الإمكانيات يتطلب منا التزامًا عميقًا بالمسؤولية الأخلاقية، والتعاون، والتخطيط للمستقبل.

تُعد قراءة المزيد عن هذه التطورات أمرًا ضروريًا. لمزيد من المعلومات حول أحدث الأبحاث في هذا المجال، يمكنك زيارة:

الأسئلة الشائعة

هل واجهات الدماغ والحاسوب آمنة؟
تعتمد سلامة واجهات الدماغ والحاسوب على نوعها. الواجهات غير الغازية (مثل EEG) تعتبر آمنة جدًا، حيث لا تتطلب أي تدخل جراحي. أما الواجهات الغازية، فتتضمن مخاطر جراحية مثل العدوى أو الاستجابات المناعية، على الرغم من أن الأبحاث جارية لتقليل هذه المخاطر.
متى يمكنني استخدام واجهة دماغ وحاسوب في حياتي اليومية؟
تُستخدم بعض تطبيقات BCIs المحدودة حاليًا، خاصة في المجال الطبي. ومع ذلك، فإن الاستخدام واسع النطاق في الحياة اليومية (للتحكم في الأجهزة المنزلية، أو الألعاب) لا يزال قيد التطوير. يُتوقع أن تتوفر بعض هذه التطبيقات خلال 5-10 سنوات قادمة، مع وصول المزيد من الابتكارات في المستقبل.
هل يمكن للآخرين قراءة أفكاري باستخدام واجهات الدماغ والحاسوب؟
في الوقت الحالي، لا تستطيع واجهات الدماغ والحاسوب قراءة الأفكار المعقدة أو "قراءة الذهن" بالمعنى الحرفي. هي تقنيات يمكنها اكتشاف أنماط معينة من النشاط الدماغي المرتبطة بنوايا محددة (مثل حركة اليد) أو حالات تركيز. ومع ذلك، مع تطور التقنية، تزداد أهمية المخاوف المتعلقة بالخصوصية وأمن البيانات الدماغية.
ما هي أهم التطبيقات الحالية لواجهات الدماغ والحاسوب؟
أهم التطبيقات الحالية تتركز في المجال الطبي، مثل مساعدة الأشخاص المصابين بالشلل على التحكم في الأطراف الاصطناعية، أو الكراسي المتحركة، أو استعادة القدرة على التواصل. كما تُستخدم في علاج بعض الاضطرابات العصبية مثل مرض باركنسون.