مقدمة: سباق الذكاء الاصطناعي والتنظيم الأخلاقي

مقدمة: سباق الذكاء الاصطناعي والتنظيم الأخلاقي
⏱ 20 min

أكثر من 80% من القرارات التي تؤثر على حياتنا اليومية، من الحصول على قرض إلى تشخيص طبي، بدأت تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يطرح تحديات أخلاقية وتنظيمية غير مسبوقة.

مقدمة: سباق الذكاء الاصطناعي والتنظيم الأخلاقي

يشهد العالم تسارعاً هائلاً في تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي، من نماذج اللغة الكبيرة التي باتت جزءاً من أدواتنا اليومية، إلى الأنظمة التي تقود السيارات وتدير شبكات الطاقة. هذا التقدم التكنولوجي المذهل يفتح آفاقاً واسعة للابتكار وتحسين جودة الحياة، لكنه في الوقت ذاته يغوص بنا في مستنقع معقد من القضايا الأخلاقية التي تتطلب تدخلاً تنظيمياً حكيماً لتوجيه هذا السباق نحو مسار مسؤول ومستدام.

إن طبيعة الذكاء الاصطناعي، بقدرته على التعلم والتكيف، وتأثيره المتزايد على مختلف جوانب الحياة البشرية، تجعل من وضع أطر تنظيمية فعالة أمراً حتمياً. فالقوانين الحالية، التي وضعت لعصور سابقة، غالباً ما تكون قاصرة عن مواكبة التطورات المتسارعة لهذه التقنيات، مما يخلق فجوات قد تستغل لإلحاق الأذى أو لتعزيز عدم المساواة.

اليوم، تقف البشرية على مفترق طرق. إما أن نسمح لهذه التقنيات بالنمو بلا ضوابط، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر غير محسوبة، أو أن نبدأ في بناء جسور تنظيمية متينة تضمن أن الذكاء الاصطناعي يخدم الإنسانية ويعزز قيمها الأساسية. إن العقد القادم سيكون حاسماً في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي، ومن سيقود فيه سيكون له دور محوري في تحديد مسار الحضارة.

تحديات التنظيم في العقد القادم

إن وضع تشريعات فعالة للذكاء الاصطناعي ليس بالأمر السهل، بل هو أشبه بالمشي على حبل مشدود فوق وادٍ سحيق. التحديات متعددة ومتشابكة، وتتطلب فهماً عميقاً للطبيعة المتغيرة لهذه التقنيات، وكذلك للنوايا البشرية التي تقف وراءها. أحد أبرز التحديات هو السرعة الفائقة للتطور التكنولوجي. ما يتم اعتباره ثورة اليوم قد يصبح قديماً غداً. هذا يتطلب مرونة كبيرة في الأطر التنظيمية، وقدرة على التكيف السريع مع المستجدات.

التحدي الآخر يتمثل في الطبيعة العالمية للذكاء الاصطناعي. فالشركات التي تطور هذه التقنيات تعمل عبر الحدود، والبيانات التي تغذيها تأتي من كل مكان. هذا يستدعي تعاوناً دولياً مكثفاً لتجنب تضارب القوانين وخلق "ملاذات آمنة" للممارسات غير الأخلاقية. بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم وضوح المسؤولية في كثير من الحالات يشكل عقبة كبيرة. عندما يتخذ نظام ذكاء اصطناعي قراراً خاطئاً، من يكون المسؤول؟ المطور؟ الشركة؟ المستخدم؟ أم النظام نفسه؟

كما أن تعقيد بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة نماذج التعلم العميق، يجعل من الصعب فهم كيفية وصولها إلى قراراتها. هذا ما يعرف بـ "مشكلة الصندوق الأسود"، وهي تحدٍ كبير أمام ضمان الشفافية والعدالة. في نهاية المطاف، يتطلب التنظيم الفعال فهماً متوازناً بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق الأفراد والمجتمع ككل.

الشفافية: فهم الصندوق الأسود

تعتبر الشفافية أحد أعمدة التنظيم الأخلاقي للذكاء الاصطناعي. فمع تزايد استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات حيوية، يصبح من الضروري أن نفهم كيف تعمل هذه الأنظمة. مشكلة "الصندوق الأسود" تنشأ عندما تكون الخوارزميات معقدة للغاية لدرجة أنه حتى مطوريها لا يستطيعون تفسير سلوكها بالكامل. هذا يثير تساؤلات حول إمكانية التحيز الخفي أو الأخطاء غير المتوقعة.

تتضمن الحلول المقترحة لوضع حدود لمشكلة "الصندوق الأسود" تطوير تقنيات "الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير" (Explainable AI - XAI)، والتي تهدف إلى جعل عمليات صنع القرار في الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً. كما يمكن فرض متطلبات تنظيمية تلزم المطورين بتقديم شرح مبسط لآلية عمل الأنظمة التي تؤثر على القرارات الهامة، خاصة في مجالات مثل التوظيف، الإقراض، أو العدالة الجنائية.

إن الشفافية لا تعني بالضرورة الكشف عن الكود المصدري الكامل، فهذا قد يضر بالملكية الفكرية والمنافسة. بل تعني تقديم معلومات كافية حول البيانات المستخدمة، والمبادئ الأساسية للخوارزمية، وكيفية تقييم المخاطر، وكيفية الطعن في القرارات المتخذة. هدفنا هو بناء الثقة في هذه الأنظمة.

المساءلة: من يتحمل المسؤولية؟

تعد مسألة المساءلة من أكثر القضايا تعقيداً في عالم الذكاء الاصطناعي. فمع تزايد استقلالية الأنظمة، يصبح تحديد المسؤول عن الأضرار المحتملة أمراً صعباً. هل المسؤول هو المبرمج الذي كتب الكود؟ الشركة التي نشرت النظام؟ المستخدم الذي تفاعل معه؟ أم حتى النظام نفسه في حال كان يمتلك درجة معينة من الاستقلالية؟

تتجه الأنظمة التنظيمية إلى نهج متعدد الطبقات للمساءلة. هذا يعني أن المسؤولية يمكن أن تقع على أكثر من طرف، اعتماداً على طبيعة النظام، ومستوى التحكم البشري، والظروف المحيطة بالحادث. على سبيل المثال، في حالات القيادة الذاتية، قد تكون هناك مسؤولية مشتركة بين الشركة المصنعة للسيارة، ومطور برنامج القيادة، وحتى شركة الصيانة إذا كان الإهمال سبباً في وقوع حادث.

من الحلول المطروحة أيضاً هو ضرورة وجود "آليات مراجعة بشرية" للقرارات الهامة التي تتخذها أنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي لها تأثير كبير على حياة الأفراد. كما أن وضع "سجلات تدقيق" لتتبع عمليات اتخاذ القرار داخل الأنظمة يمكن أن يساعد في تحديد نقاط الخلل والمسؤوليات. التحدي يكمن في خلق توازن بين تشجيع الابتكار وعدم إلقاء عبء مسؤولية غير معقول على المطورين.

أنواع المخاطر والحلول التنظيمية المقترحة

تتعدد المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتتراوح بين التحيز والتمييز، مروراً بتهديدات الخصوصية والأمن، وصولاً إلى التأثيرات العميقة على سوق العمل والمجتمع ككل. لكل نوع من هذه المخاطر، تطرح نماذج تنظيمية مختلفة حلولاً تهدف إلى التخفيف من حدتها وضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.

إن فهم هذه المخاطر هو الخطوة الأولى نحو وضع تشريعات فعالة. فالقوانين التي لا تأخذ في الاعتبار الطبيعة الفريدة للذكاء الاصطناعي ستكون قاصرة وغير قادرة على تحقيق أهدافها. يتطلب الأمر رؤية شاملة تجمع بين الخبرات التقنية والقانونية والأخلاقية.

المناقشات العالمية تركز حالياً على كيفية إيجاد توازن دقيق بين تشجيع الابتكار التكنولوجي وحماية القيم الإنسانية الأساسية. الأطر التنظيمية المقترحة غالباً ما تكون هرمية، حيث يتم تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي بناءً على مستوى المخاطر التي تشكلها، وتطبيق مستويات مختلفة من التدقيق والرقابة.

مخاطر التحيز والتمييز

يعد التحيز والتمييز من أكثر المخاوف الأخلاقية إلحاحاً المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. تنشأ هذه المشكلة غالباً بسبب البيانات التي تُدرب عليها الأنظمة. إذا كانت البيانات تعكس تحيزات مجتمعية قائمة، فإن النظام سيتعلم هذه التحيزات ويكررها، بل وقد يضخمها. هذا يمكن أن يؤدي إلى قرارات تمييزية في مجالات حساسة مثل التوظيف، الإقراض، العدالة الجنائية، وحتى الرعاية الصحية.

لمواجهة هذه المخاطر، تقترح الأطر التنظيمية عدة حلول. أولها هو فرض متطلبات صارمة على جودة وتنوع البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. يجب التأكد من أن البيانات تمثل جميع الفئات السكانية بشكل عادل. ثانياً، يتم تطوير أدوات وتقنيات للكشف عن التحيز في نماذج الذكاء الاصطناعي وتقييمه.

ثالثاً، يتم فرض إجراءات للتحقق من صحة قرارات النظام، خاصة تلك التي لها تأثير كبير على الأفراد. يمكن أن يشمل ذلك الحاجة إلى مراجعة بشرية للقرارات التي تبدو متحيزة أو غير عادلة. بالإضافة إلى ذلك، يتم تشجيع الشركات على إجراء "تقييمات تأثير التحيز" بشكل دوري.

مخاطر الأمن والخصوصية

يشكل جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي تحدياً كبيراً للخصوصية. قد يتم جمع معلومات شخصية حساسة دون علم أو موافقة صريحة من الأفراد، وقد تستخدم هذه المعلومات لأغراض غير متوقعة أو ضارة. كما أن الأنظمة الذكية نفسها قد تكون عرضة للاختراق، مما يعرض البيانات للخطر أو يؤدي إلى تعطيل خدمات حيوية.

لمعالجة هذه المخاطر، تركز الأطر التنظيمية على تعزيز مبادئ "الخصوصية حسب التصميم" (Privacy by Design) و"الأمن حسب التصميم" (Security by Design). هذا يعني دمج اعتبارات الخصوصية والأمن في جميع مراحل تطوير ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي.

تشمل الإجراءات التنظيمية المقترحة فرض متطلبات واضحة بشأن جمع البيانات وتخزينها واستخدامها، مع التركيز على مبدأ "الحد الأدنى من البيانات" (Data Minimization). كما يتم وضع معايير صارمة للأمن السيبراني لحماية الأنظمة من الاختراق. بالإضافة إلى ذلك، يتم تشجيع استخدام تقنيات التشفير المتقدمة وتقنيات الحفاظ على الخصوصية مثل "التعلم الاتحادي" (Federated Learning)، حيث يتم تدريب النماذج على بيانات محلية دون الحاجة إلى نقلها إلى خادم مركزي.

مخاطر التأثير على سوق العمل

يثير التطور السريع للذكاء الاصطناعي مخاوف جدية بشأن فقدان الوظائف، حيث يمكن للأنظمة الآلية أداء العديد من المهام التي يقوم بها البشر حالياً، وغالباً ما يكون ذلك بكفاءة أعلى وتكلفة أقل. هذا يمكن أن يؤدي إلى بطالة هيكلية وتزايد الفجوة بين العمال المهرة وغير المهرة.

لمواجهة هذه التحديات، تتجه الأطر التنظيمية إلى التركيز على "التحول العادل" (Just Transition). هذا يعني تبني سياسات تهدف إلى دعم العمال المتأثرين، مثل برامج إعادة التدريب وتنمية المهارات لمواكبة متطلبات سوق العمل الجديد. كما يتم تشجيع الشركات على تبني الذكاء الاصطناعي بطرق تكمل القدرات البشرية بدلاً من استبدالها بالكامل.

إلى جانب ذلك، تبدأ النقاشات حول نماذج اقتصادية جديدة، مثل "الدخل الأساسي الشامل" (Universal Basic Income - UBI)، كشبكة أمان اجتماعي لمواجهة التغيرات الجذرية في سوق العمل. يتطلب الأمر استثماراً كبيراً في التعليم والتطوير المهني لضمان أن يكون العمال قادرين على التكيف مع متطلبات العصر الرقمي.

مقارنة بين أنواع مخاطر الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها
نوع المخاطر التأثيرات المحتملة التحديات التنظيمية
التحيز والتمييز قرارات غير عادلة في التوظيف، الإقراض، العدالة الجنائية. ضمان عدالة البيانات، اكتشاف التحيز، مراجعة القرارات.
الأمن والخصوصية انتهاك البيانات الشخصية، اختراق الأنظمة، هجمات سيبرانية. حماية البيانات، "الخصوصية حسب التصميم"، الأمن السيبراني.
التأثير على سوق العمل فقدان الوظائف، بطالة هيكلية، تزايد عدم المساواة. إعادة التدريب، التحول العادل، دعم العمال.
المعلومات المضللة والتلاعب نشر أخبار كاذبة، تضليل الرأي العام، زعزعة الاستقرار الاجتماعي. التحقق من المحتوى، الشفافية في مصادر المعلومات.
الاستخدام العسكري غير المنضبط أسلحة ذاتية التشغيل، سباق تسلح جديد، مخاطر تصعيد النزاعات. حظر الأسلحة المستقلة، الرقابة الدولية.
مستويات المخاطر المتصورة لأنظمة الذكاء الاصطناعي
مخاطر منخفضة30%
مخاطر معتدلة45%
مخاطر عالية20%
مخاطر غير مقبولة5%

نماذج تنظيمية عالمية: دروس مستفادة

مع تزايد الإدراك بخطورة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، بدأت الحكومات حول العالم في صياغة استراتيجيات وأطر تنظيمية للتعامل مع هذه التقنيات. تختلف هذه النماذج من منطقة إلى أخرى، مما يعكس فلسفات قانونية وثقافية مختلفة، لكنها تشترك في الهدف العام المتمثل في توجيه التطور التكنولوجي نحو خدمة الصالح العام.

إن دراسة هذه النماذج ومقارنتها توفر دروساً قيمة. فكل نهج لديه نقاط قوته وضعفه، وفهم هذه الفروقات يمكن أن يساعد في بناء أطر تنظيمية أكثر فعالية وتكاملاً على المستوى الدولي. لا يوجد حل واحد يناسب الجميع، ولكن هناك مبادئ أساسية يمكن استخلاصها.

المناقشات مستمرة حول أفضل السبل لتحقيق التوازن بين الابتكار والرقابة، وبين المصالح التجارية والمصلحة العامة. ما هو مؤكد هو أن التعاون الدولي سيكون مفتاح النجاح في هذا المجال.

الاتحاد الأوروبي: قانون الذكاء الاصطناعي

يُعد الاتحاد الأوروبي رائداً في الجهود التنظيمية للذكاء الاصطناعي من خلال "قانون الذكاء الاصطناعي" (AI Act) المقترح. هذا القانون يعتمد على نهج قائم على المخاطر، حيث يتم تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى أربع فئات بناءً على مستوى المخاطر التي تشكلها: مخاطر غير مقبولة، مخاطر عالية، مخاطر محدودة، ومخاطر قليلة أو معدومة.

الأنظمة التي تعتبر "غير مقبولة" (مثل أنظمة النقاط الاجتماعية التي تطبقها الحكومات) سيتم حظرها بالكامل. أما الأنظمة ذات "المخاطر العالية" (مثل تلك المستخدمة في البنية التحتية الحيوية، التعليم، التوظيف، إنفاذ القانون، والعدالة)، فستخضع لمتطلبات صارمة قبل طرحها في السوق، بما في ذلك تقييمات المخاطر، جودة البيانات، الشفافية، الإشراف البشري، ومستوى عالٍ من الدقة والأمن.

يهدف قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي إلى خلق بيئة تنظيمية واضحة ومتسقة، تعزز الثقة في الذكاء الاصطناعي وتدعم الابتكار المسؤول. ومع ذلك، يثير القانون أيضاً تساؤلات حول مدى صرامته وتأثيره على القدرة التنافسية للشركات الأوروبية مقارنة بالشركات في مناطق أخرى ذات قوانين أقل صرامة.

المصدر: موقع البرلمان الأوروبي

الولايات المتحدة: نهج تجزيئي

تتبع الولايات المتحدة نهجاً أكثر تجزيئياً في تنظيم الذكاء الاصطناعي، حيث لا يوجد إطار تنظيمي شامل موحد على المستوى الفيدرالي. بدلاً من ذلك، تعتمد الإدارة الأمريكية على مزيج من المبادرات التنظيمية القطاعية، والمبادئ التوجيهية الطوعية، والاستثمار في البحث والتطوير. يهدف هذا النهج إلى السماح للابتكار بالازدهار مع معالجة المخاطر حيثما تنشأ.

أصدر البيت الأبيض توجيهات تنفيذية وأطر عمل، مثل "مبادئ الذكاء الاصطناعي" (AI Principles) و"إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي" (AI Risk Management Framework)، التي تركز على الشفافية، والإنصاف، والخصوصية، والأمن، والمساءلة. ومع ذلك، فإن تطبيق هذه المبادئ يعتمد إلى حد كبير على الهيئات التنظيمية المختلفة في كل قطاع، مثل وكالة حماية البيئة (EPA) أو إدارة الغذاء والدواء (FDA).

هذا النهج يوفر مرونة أكبر، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى تضارب في اللوائح وعدم وضوح للمطورين والشركات. هناك نقاش مستمر حول ما إذا كان هذا النهج كافياً لمواجهة التحديات المعقدة للذكاء الاصطناعي على المدى الطويل.

المصدر: المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST)

الصين: استراتيجية وطنية

تتبنى الصين استراتيجية وطنية شاملة لتطوير ونشر الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على تحقيق الريادة العالمية في هذا المجال. يتضمن نهجها مزيجاً من الاستثمار الضخم في البحث والتطوير، ودعم الشركات المحلية، ووضع أطر تنظيمية تهدف إلى موازنة الابتكار مع الاستقرار الاجتماعي والأمن القومي.

وضعت الصين مجموعة من اللوائح المتعلقة بـ "توليد المحتوى بالذكاء الاصطناعي" (Generative AI)، والتي تتطلب من المطورين الالتزام بالقيم الاشتراكية الأساسية، وضمان دقة المعلومات، وحماية حقوق الملكية الفكرية. كما تركز الحكومة الصينية على استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الرقابة وكفاءة الخدمات الحكومية.

التحدي الرئيسي في النهج الصيني هو التوازن بين السيطرة الحكومية الشاملة والحرية الممنوحة للابتكار. قد تكون هذه الأطر فعالة في توجيه التكنولوجيا لخدمة أهداف الدولة، ولكنها تثير مخاوف بشأن الخصوصية والحريات المدنية.

المصدر: رويترز

دور القطاع الخاص والمجتمع المدني

لا تقتصر مسؤولية تنظيم الذكاء الاصطناعي على الحكومات وحدها. يلعب القطاع الخاص والمجتمع المدني دوراً حيوياً في تشكيل مستقبل هذه التقنيات. فالشركات التي تطور الذكاء الاصطناعي هي المسؤولة الأولى عن ضمان أن منتجاتها آمنة، عادلة، ومسؤولة. وهذا يتطلب تبني أخلاقيات قوية داخل الشركات، وتطوير آليات داخلية لتقييم المخاطر.

من ناحية أخرى، تلعب منظمات المجتمع المدني، والمفكرون، والباحثون دوراً أساسياً في تسليط الضوء على المخاطر المحتملة، والدعوة إلى تشريعات قوية، وضمان أن أصوات المواطنين والمجموعات المهمشة مسموعة في المناقشات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. إنهم يعملون كـ "حراس" للتأكد من أن التكنولوجيا تخدم الإنسانية.

التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني هو المفتاح لخلق بيئة تنظيمية متوازنة وفعالة. يجب أن تكون هناك قنوات مفتوحة للحوار وتبادل الخبرات، لضمان أن القوانين والسياسات تعكس الواقع التقني وتخدم الصالح العام.

250+
منظمة مجتمع مدني
تنادي بتنظيم الذكاء الاصطناعي
40%
من الشركات
بدأت بوضع مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي
10+
مبادرات
تعاون دولي بشأن الذكاء الاصطناعي

الخلاصة: نحو مستقبل مسؤول للذكاء الاصطناعي

إن العقد القادم سيشهد تحولاً جذرياً بفعل الذكاء الاصطناعي. إن قدرتنا على التنقل في هذا المشهد المعقد، وتجنب المخاطر، وتحقيق أقصى استفادة من الفرص، تعتمد بشكل كبير على كيفية صياغتنا وتنفيذنا للقوانين والسياسات التي تحكم هذه التقنيات. يتطلب الأمر نهجاً استباقياً، شاملاً، ومتعاوناً.

يجب أن نهدف إلى بناء مستقبل حيث يتكامل الذكاء الاصطناعي بسلاسة مع حياتنا، معززاً للإنسانية، ومحترماً للقيم الأخلاقية، ومحققاً للمساواة والعدالة. هذا ليس مجرد تحدٍ تقني أو قانوني، بل هو تحدٍ أخلاقي ومجتمعي يتطلب مشاركة الجميع.

إن الاستثمار في التنظيم المدروس، والتعليم المستمر، والتعاون الدولي، ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية لضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي البشرية، وليس العكس. المستقبل مسؤوليتنا جميعاً.

"إن تنظيم الذكاء الاصطناعي ليس لتقييد الابتكار، بل لضمان أن الابتكار يخدم أهدافاً نبيلة، وأننا نبني مستقبلاً يمكننا الوثوق به."
— د. فاطمة الزهراء، باحثة في أخلاقيات التكنولوجيا
"الشفافية ليست مجرد مطلب تقني، بل هي حجر الزاوية لبناء الثقة المجتمعية في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستشكل حياتنا."
— المهندس أحمد خالد، خبير في أمن المعلومات
ما هي أبرز المخاطر التي يثيرها الذكاء الاصطناعي؟
تتضمن المخاطر الرئيسية التحيز والتمييز، انتهاكات الخصوصية والأمن، فقدان الوظائف، انتشار المعلومات المضللة، والاستخدامات العسكرية غير المنضبطة.
هل هناك قوانين عالمية موحدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي؟
لا توجد قوانين عالمية موحدة حالياً. يتبع الاتحاد الأوروبي نهجاً شاملاً قائماً على المخاطر (AI Act)، بينما تتبع الولايات المتحدة نهجاً تجزيئياً، وتعتمد الصين استراتيجية وطنية تركز على التحكم الحكومي والريادة التكنولوجية.
كيف يمكن ضمان الشفافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
يمكن تحقيق الشفافية من خلال تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI)، وفرض متطلبات على المطورين لشرح كيفية عمل الأنظمة، وتوفير آليات للطعن في القرارات.
ما هو دور القطاع الخاص في تنظيم الذكاء الاصطناعي؟
يلعب القطاع الخاص دوراً حاسماً من خلال تبني أخلاقيات قوية، وتطوير آليات داخلية لتقييم المخاطر، والتعاون مع الجهات التنظيمية والمجتمع المدني.